مع نهاية شهر ابريل، ينتهي العام الأول من انسحاب آخر جندي سوري من فوق الأرض اللبنانية، وينتهي معه الفصل الأكثر حساسية في الملف المشترك للعلاقات السورية ـ اللبنانية، بعد سلسلة من التداعيات التي قاربت على الانتهاء مع التفكيك التدريجي للاحتقان الذي تولد مع اغتيال الشهيد الراحل رفيق الحريري، والهدوء النسبي لعواصف الضغوط الخارجية التي تم تسليطها على سوريا.
وحسناً فعلت دمشق خلال الأسابيع الماضية في تعاطيها الايجابي مع مطالب لجنة التحقيق الدولية بشخص رئيسها البلجيكي براميرتس، دون تكبير أو تصغير، ودون ضجيج إعلامي، خصوصاً مع استغلال البعض من الذين اختصروا التاريخ والملف الطويل لمسار العلاقات المشتركة بين سوريا ولبنان انطلاقاً من موقع المتشنجين والمتأففين من ممارسات سبق وأن قامت بها أطراف سورية أو لبنانية محسوبة على سوريا.
وبغض النظر عن المواقف المسبقة ـ وبعضها مواقف محقة ـ التي يمكن للبعض أن يسجلها، إلا أن «قولاً واحداً «وجب أن يقال بأن هناك استهدافاً مباشراً للنظام السوري في سياق «لعبة الدومينو» التي تخوضها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط منذ سقوط نظام بغداد.
وللأسف فقد تحول ملف العلاقات اللبنانية السورية إلى ملف دولي متجاوزاً حتى الجامعة العربية، ودخل في دهليز جديد لن تكون نتائجه وخواتيمه سوى تراجعات جديدة في العلاقات التاريخية السورية اللبنانية، وإمعاناً في نبش «الفتن النائمة» في الساحة اللبنانية التي تضج بالتنوع السياسي والمذهبي.
وتمتاز بسرعة الانقلابات التحالفية بين مختلف الأطراف، لاسيما وأنها في غالبيتها أطراف اندمجت في الحروب وعمليات الاقتتال الداخلي الأهلي، فجاءت من خلف المتاريس التي أقامتها طوال فترات الحرب الأهلية.
ورب سائل يسأل عن مغزى وخلفيات التردي في العلاقات بين البلدين، والاستهدافات السياسية من وراء تفجير الوضع الداخلي اللبناني، مع سيادة منطق التشهير البشع. بالرغم من الإجماع اللبناني عند جميع الأطراف، بما فيها الأطراف الميليشياوية التي انغمست في مراحل سابقة بالحرب الأهلية الداخلية، على ترتيب العلاقة مع سورية.
ونبذ العنف، والرضوخ لمنطق العقل وللمصلحة الوطنية اللبنانية التي تقتضي تعايش الجميع في وطن واحد موحد، وتحت سقف القانون. والجواب، يكون بالقول :إن الأطراف المتضررة من السلم الأهلي في لبنان، والساعية إلى توجيه المزيد من الضغوط على دمشق، هي بالضبط الأطراف التي تحاول العبث بالوضع الداخلي اللبناني.
وذر بذور الانقسام والحروب الأهلية الداخلية من جديد. وتوجيه الأذى القاتل إلى سورية الموضوعة تحت الاستهداف الأميركي الإسرائيلي منذ سقوط بغداد في مارس 2003.
وعليه، يمكن القول بأن التعاطي السوري الايجابي مع لجنة التحقيق الدولية، ولّد مناخات حالية أكثر صفاءً ونقاءً للبحث في ترتيب العلاقات المشتركة بين البلدين الشقيقين، وإيجاد الحلول المنطقية لمخلفات الماضي القريب.
وبالطبع فإن البحث يفترض به أن يكون بعيداً كل البعد عن أجواء التوتير والشحن الغوغائي، وأجواء الانفعال اللاعقلاني، خصوصاً وأن الدخول السوري إلى قلب المعادلة اللبنانية لم يكن منذ بداياته رغبة سورية قدر ما كان رغبة لبنانية، طلبها وشدد عليها رموز الحرب الأهلية والميليشيا المسلحة زمن التطاحن اللبناني الداخلي منذ مارس 1976.
وفي هذا السياق أيضاً، ودون تبرير للممارسات الخاطئة التي وقعت هنا أو هناك على يد مجموعات من الأجهزة السورية وبعض اللبنانيين، فإن سوريا تحملت مسؤولية كبرى وأساسية في سياق كبح صراع المصالح الدولية في الشرق الأوسط، وهو الصراع الذي اتخذ من لبنان قاعدة وموضع ارتكاز، جعل من السوريين وقوداً في نار هائلة كادت أن تطيح بالجميع من المقاومة إلى السلطة الشرعية والكيان الرسمي اللبناني.
نعم، علينا أن نحتكم إلى العقل في مقاربة الوقائع والأشياء ونقاشها، وفي حسابات الربح والخسارة، لا أن ننحو باتجاه الاستنساخ والاستنساب العاطفي. فالكيان اللبناني أمسى في لحظات معينة في طور التداعي الكلي لولا الاندفاع السوري لتحقيق توازن معادلة «لا غالب ولا مغلوب» وتكريس «سلم أهلي تحت سقف وطن واحد».
ان من الأهمية إيقاف منطق «استسهال» المبالغة بالأمور بشأن التداعي الحاصل من حين لآخر داخل المعادلة اللبنانية ـ اللبنانية، واللبنانية ـ السورية.
وهي معادلة ليست معلقة بين «السماء والطارق» بل بين «كماشة» قوى دولية وإقليمية فاعلة ونشيطة في محاولتها إيجاد النوافذ الواسعة لإطلاق نيران الدمار الداخلي في لبنان وتقويض حالة الاستقرار النسبي، وتدويل الموضوع اللبناني من أوسع أبوابه بعد القرار 1559.
وعلى هذا الأساس لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة الترابط بين ما يجري في الحلقات المشرقية العربية الثلاث: فلسطين، العراق، لبنان. وحقيقة الضغط الهائل الهابط على النظام في سوريا، في نغمة متناسقة أشبه ما تكون بعزف آلة «الأكورديون» التي تتحرك يميناً ويساراً وعلى الطرفين.
وختاماً، يمكن القول بأن تجربة الماضي القريب ودروسه الثمينة يمكن أن تسهم في التأسيس لعلاقات سورية ـ لبنانية جديدة، قوامها التقاطع في المساحات المشتركة الوطنية والقومية للبلدين الشقيقين.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
