سمح لي عملي مع وزارة التربية والتعليم في مجال تأليف مناهج اللغة العربية بأن ألتقي عددا كبيرا من الموجهين والموجهات والمعلمين والمعلمات ممن يحملون هموم الميدان وممن يعملون بصمت وصبر، وممن يحاولون جهدهم ـ كل بقدر طاقته وقدرته ـ أن يشاركوا بفاعلية وإيجابية في تطوير مناهج اللغة العربية من خلال متابعة تطبيقها في الميدان ورصد صعوبات هذا التطبيق ومعوقاته.

ووضع البدائل أو تقديم الاقتراحات لنصل بالمنهج إلى المستوى الذي نرضى عنه جميعا، أو الذي ـ على أقل تقدير ـ نشعر بأنه يحقق الأهداف المرجوّة منه بالنسبة للمتعلم والمعلم في آن واحد.

وقد لفت نظري ـ في اللقاءات التي عقدت ـ أنّ عددا من الزملاء الموجهين والموجهات يرون أنّ المنهج في معظمه يفوق قدرات التلاميذ، وأن بعض نواتج التعلم أو الأنشطة التي يتضمنها لا تناسب الفئة العمرية التي يتوجه إليها.

وعلى الرغم من اقتناعي بأنّ المنهج جاء ملائما لأعمار التلاميذ إلا أنني أخذت ملاحظات الزملاء على محمل الجد وبدأت أدرس الأمر دراسة فاحصة مقارِنة تقارن منهج اللغة العربية المطور بمناهج اللغات الأخرى ـ الإنجليزية على وجه الخصوص ـ التي تقدم للفئة العمرية نفسها من التلاميذ، فوجدت أنّ الوضع لا يختلف، بل إنّه في اللغات الأخرى يفوق ما عندنا في كثير من المجالات.

ولكنّ السؤال بقي في النفس يدور: هل حقا أنّ المنهج يفوق قدرات التلاميذ؟ وما هي قدرات التلاميذ بالفعل؟ كيف نقيسها؟ وهل نحن متأكدون من أننا لا نبخس هؤلاء الصغار حقهم ونقلل من شأنهم حين نفترض أنّ هذا المنهج أو ذاك يفوق قدرات التلاميذ؟ وهل هناك طرق علمية معتمدة للاتكاء عليها حين نفترض هذا الافتراض أو نحكم هذا الحكم؟ أو أننا مستلبون لتصورات شخصية تراكمت على مدى الخبرة العملية من دون أن تردف بمبررات علمية تربوية محددة؟

كيف نحكم على المتعلم بأنه لن يفهم إذا سخرنا له كل الوسائل التي تعينه على الفهم؟ وإذا كنا معه في كل خطوة على درب التعلم والتحصيل وبناء المعرفة؟

بقيت هذه الأسئلة وغيرها تلحّ عليّ، وبقيت أنا أبحث عن جواب شاف أرضى به وأقتنع، إلى أن حدث أن دار بيني وبين طفلة في التاسعة من عمرها حوار جعلني أطمئن إلى أنّ ما اعتمدناه في المنهج لا يفوق قدرات الأطفال أبدا، وإلى أننا حقا لا نعرف كيف نثمن هذه القدرات الرائعة. بادرتني الطفلة بسؤالها: إذا اكتشفت أنك أخطأت في شيء ما فهل تعترفين بذلك لطلابك؟

فأجبتها: نعم. فقالت: ألا تشعرين بأن ذلك قد يقلل من شأنك أمامهم؟ قلت: لا، لأنهم يعرفون أنّ كل إنسان قد يخطئ، وأنّ الأستاذ لا يختلف عن باقي البشر في أنه قد يقع في الخطأ أحيانا. سألتها حينها: لماذا تسألين ؟، فقالت: لأن معلمتي حين أخبرتها بأن هناك خطأ في برنامج الحاسوب وانني أحاول منذ وقت أن أنفذ المطلوب من دون فائدة قالت لي: من المؤكد أنك لا تعرفين كيف تطبقين الخطوات بشكل صحيح. فأخبرتها بأنني متأكدة من أنني أفعل ذلك كما هو مطلوب مني بالضبط. فتجاهلتني، ثم ذهبت إلى الجهاز ونظرت فيه قليلا، ثم طلبت مني أن أعيد الخطوات مرة ثانية، فلما فعلت استجاب الجهاز واستطعت أن أكمل المطلوب مني.

فذهبت إليها لأسألها: أين كان الخلل؟ فقالت: الخلل ليس فيّ بالتأكيد فأنا معلمتك والمعلمة لا تخطئ. إنني أتساءل هل حقا أن المعلمة لا تخطئ؟ إنني أرى الكثير من الأخطاء كل يوم ولكنني لا أتكلم لأنني أعرف أنّ أحدا لن يهتم بكلامي، فأنا في نظرهم صغيرة لا أفهم كما يفهمون. ولكن كيف يعرفون ما الذي أستطيع أن أفهمه وما الذي لا أستطيعه؟ هل تعلمين ماذا قالت لي زميلتي حين شكوت لها من كلام المعلمة؟ قالت: لا تهتمي لها «خذيها على قدر عقلها»!!

هذا نموذج مما يدور في خلد طفلة من أطفالنا، ونموذج لحوار بين طفلتين حول ما يدور في عالمهم الصغير. هذه الطفلة وصفت لي يوما ما يحدث خلف الكواليس في احتفال المدرسة بيوم الاتحاد وصفا يكاد يصل إلى درجة عالية من الأدب الهزلي القائم على المفارقة الصارخة التي تنظر إلى عالم الكبار نظرة نقدية قاسية، وتتجاوز في حكمها على الأمور العبارات المقتضبة الجاهزة التي يحاول الكبار أن يلقنوها للصغار وهم يظنون ـ مخطئين ـ أنهم قد تمكنوا من تسيير هذه العقول الصغيرة وفق ما يريدون ويشتهون.

لا شكّ أننا نحتاج إلى الكثير من الخطوات والإجراءات لنصل إلى المستوى المطلوب من التطوير الذي ننشده، فليس الأمر مقتصرا على تغيير الكتاب، إنه يتجاوز ذلك إلى دائرة أوسع وأكبر تشمل ما تحمله ثقافتنا التقليدية عن عملية التعليم والتعلم من تصورات تجذّرت في العقول ومن سلوكيات أصبحت لا تنفصل عن أصحابها فلا يمكن التخلص منها والإبقاء على حامليها..

إنّ الطريق طويل جدا أمامنا، ولكنه الطريق الوحيد الذي يستحق أن نحث الخطا فيه وأن نصبر على مشاقه ومعوقاته، لأنه الطريق الذي نرى في نهايته بارقة النور وضياء الأمل، فليس هناك طريق مختصر لأي مكان يستحق أن نذهب إليه.

وختاماً أقول إن الدراسات الحديثة تشير إلى أنّ 97% من الأطفال ـ عامة ـ في الصف الأول الابتدائي يمتلكون قدرات إبداعية خلاقة ـ على تفاوت بينهم في ذلك ـ وإنّ هذه النسبة تنخفض انخفاضا حادا حين يصل الأطفال إلى الصف الثالث لتصل إلى 7% فقط. ترى أين تتبخر قدرات 90% من الأطفال؟

ومن هو المسؤول عن ضياعها وضمورها؟ حان الوقت أن نعمل بصدق وتجرد وعلمية وتفهم من أجل أطفالنا المبدعين الذين قد يتجاوزون تصوراتنا بكثير والذين لو أتيحت لهم الفرصة الحقيقية للتعلم في مناخ تربوي جميل محب قد يحققون ما عجزت أجيالنا عن تحقيقه، وقد يضيؤون أفق هذا الوطن الحبيب بمنارات التفوق والإبداع والتميز والمستقبل الواعد الجميل.

جامعة الإمارات