في موضوع البرنامج النووي الايراني وفي الكيفيات التي اعتمدتها طهران للدفاع عنه يوجد الكثير من الصبيانية السياسية إذ أن المقايضات المعروضة مورست بشقاوة الصبيان لا بمفاهيم الحكماء وعباقرة السياسة.
فحين تصعد ايران من لهجة التحدي، وترفض مبدأ التفتيش الدولي المفاجئ لمنشآتها وتصر على المضي في تخصيب اليورانيوم المشع ويحال ملفها الى مجلس الامن لاصدار القرارات الملائمة...
في هذا الحين نرى إيران وعندما احيل الملف الى مجلس الامن فعلا تعرض القبول بالتفتيش الدولي المفاجئ لمنشآتها مقابل سحب الملف من المجلس وطي صفحة القرارات التي يمكن ان تصدر بشكل موجع في حق طهران.
العالم ليس دمية في يد احد والولايات المتحدة ليست ورقة تستخدم في الخصومة لزيادة الشعبية وتوتير الرأي العام والهروب من المآزق الداخلية... الولايات المتحدة حقيقة عالمية موجودة الآن في اطار النظام الدولي الجديد للمحافظة على الامن الاقتصادي الدولي وعلى دفع وتائر التنمية الاقتصادية الى اعلى.
والنفط هو عصب هذه اللعبة الانسانية الكبرى ومن حق الاميركيين ان يعملوا على ضمان أمن حقوله في البلدان المنتجة وضمان امن طرقات امداده على الاقل من الآن وحتى خمسين سنة قادمة وجيد انه لا توجد حتى الآن تشريعات دولية تنظم انتاج هذا النفط أو تضع شروطا على ظروفه الانتاجية.
النفط الآن هو عصب الصناعة العالمية, وهذه الحقيقة لا تسمح باخضاع هذه السلعة الستراتيجية لمغامرات السياسيين الذين يتصورون ان بإمكانهم القيام, نظريا بالالعاب الخطرة من دون ان يتحدث معهم احد, وكذلك الامر تنعكس الحقيقة ذاتها على مواقف الاميركيين الذين نراهم لا يتدخلون في صعود اسعار النفط, ولا يحتلون بلدانه المنتجة له.
لكن عندما تتهدد منابعه من اي جهة كانت، وهي هنا الجهة الايرانية، فإن من حقهم ان يتدخلوا وبأي وسيلة... ان التهديد الايراني لحقول النفط وطرق امداده عبر مضيق »ماسندام« لضمان عدم تعرضهم لضربة عسكرية موهومة ولا وجود لها الا في اذهانهم يضع طهران في موضع فارق مكانه على ظهر السفينة التي تقل الجميع ولا يجب على طهران او اي دولة اخرى منتجة ان تلعب هذا الدور الخطر.
إن ثلث نفوط العالم موجود عندنا هنا في هذه المنطقة وهي نفوط تمثل عصب الدنيا وحياة البشر وبهذا المعنى المحقق فإنها أي النفوط تعتبر ملكا شرعيا للتبادل التجاري الحر... تبادل السلع والمنافع والذي شددت عليه قوانين السماء والارض.. وفي هذا الجانب الواقعي جدا لا تقف اميركا لوحدها بل معها دول الغرب, واصحاب المصالح ودول اسلامية غير عربية هذه الاطراف ستقف معها مجتمعة عندما تتهدد منابع النفط في المنطقة.
في كل الاحوال ورغم شقاوة الصبيان التي مارستها فإن ايران احسنت العمل حين خفضت لهجة التهديد وحين عرضت العودة الى مربع البداية أي اخضاع برنامجها الذري لتفتيش وكالة الطاقة مقابل سحب ملفها من مجلس الامن وإغلاق أبواب التصعيد وتكبيل يدي طهران بقرارات دولية جديدة لا لزوم لصدورها فليس من العقل المشاغبة على ارادة المجتمع الدولي والتهديد بضرب المصالح الاميركية في المنطقة وبالذات النفط وحقوله في الكويت أو في الامارات او في المملكة العربية السعودية.
إن عودة ايران الى التناغم العاقل مع مصالح المجتمع الدولي والامتناع عن التهديد بالضرب الذي اخاف العالم على السلعة الستراتيجية ورفع اسعارها الى اسقف عالية سيضع الجميع في طهران امام رؤية العالم الجديد بمعاييره وقيمه الجديدة ومعرفة ان الاميركيين لم يستعمروا بلادا ولم يفرضوا اسعارا على برميل النفط مربوطة بارتفاع الدولار وهبوطه وبالاحتياجات.
المسألة الآن يمكن ان تمضي بشكل عادل ويمكن للواقعية السياسية ان تجنب طهران مخاطر الانزلاق الى المغامرات وتزرع في ذهنها ان ايام الاستعمار القديم قد ولت إلى غير رجعة.