رغم مقولات المتشائمين بأن الهيمنة الشمولية ما زالت قابضة وأن حكومة الوحدة الوطنية لا تختلف كثيرا عن الإنقاذ، وعضد ذلك قول بعض المتنفذين في المؤتمر الوطني ان الإنقاذ باقية رغم أنف الحاسدينز

يقولون ذلك من باب المدح دليلا على صلابة وقوة الإنقاذ، ولا يرون أن هناك ما يعتذر عنه من سلوك الإنقاذ السياسي والأخلاقي، ولعلهم نادمون على أن اتفاقية السلام الشامل غيرت تركيبة الحكم الشمولي التي يحبونها!

وقد أبدع القرآن في وصف أهل المراء الذين يمنعهم عنادهم وجحودهم من قبول الحق حتى ولو لمسوا الدليل عليه بأيديهم المجردة: «ولو نزّلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا الا سحر مبين».

(الأنعام ـ 7) رغم قول أولئك وهؤلاء الا أن بعض رياح التغيير قد هبت وأنها في مستقبل قريب ستقتلع الشمولية من جذورها رضى من رضى وأبى من أبى، ليس ذلك لأن المعارضة أقوى من الحكومة أو تستطيع أن تفرض أجندتها عليها، ولا لأن أهل الإنقاذ ثابوا إلى رشدهم وآمنوا بالديمقراطية التعددية الرشيدة، شئ من ذلك لم يحدث ولكن لأن حقائق الواقع السوداني بتنوعه وتعدده ورفضه للتسلط.

والاستبداد سيفرض نفسه في خاتمة المطاف على كل سلطة تريد التسلط والتجبر فوق رقاب الناس، ويتماشى ذلك مع مسيرة التطور السياسي الذي بدأ يشق طريقه في كل أنحاء العالم ويجد الدعم والتأييد من الدول المتقدمة ومن منظمات الأمم المتحدة.

ومن رياح التغيير التي هبت علينا مؤخرا تبرئة محكمة الخرطوم بحري الخاصة لجميع منسوبي المؤتمر الشعبي المتبقين في لائحة اتهام ما سُمِّي بالمحاولة الانقلابية التي قيل إن السلاح قد كدس لها في عدد من المنازل بضواحي الخرطوم.

سبق للمحكمة أن شطبت الاتهام في مقابل 8 من المتهمين البالغ عددهم 18 متهما وظلت تنظر في حالة بقية المتهمين العشرة الذين برأتهم المحكمة جميعا يوم الأربعاء الماضي (26/4) ونفت عنهم تهم إثارة الحرب ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري والاشتراك الجنائي ومخالفة قوانين الأسلحة.

وقال القاضي في حيثياته إنه ثبت للمحكمة أن إقرارات المتهمين القضائية لم تكن إلا نتيجة للإغراء بتسوية البلاغ وإحضار وساطة لشطبه وفقا لما قدمه الدفاع من بينات وشهود تعذيب، مشيرا إلى أن الاتهام لم يقدم أي بينة ضد هؤلاء المتهمين وخير للعدالة أن تفصح عن نفسها، فهؤلاء المتهمين لم يرتكبوا أي جريمة، وأعلن عن براءتهم جميعا وإطلاق سراحهم.

ولا أجد إدانة لسوء سلوك الأجهزة الأمنية والنيابية التي قامت بالإغراء والكذب بشطب البلاغ وتعذيب المتهمين في قضية أثارت الحكومة حولها زوبعة إلى عنان السماء أكثر من حيثيات القاضي الذي برأ المتهمين جميعا.

فقد دفعت الحكومة في صباح تلك الجمعة التي قيل لنا ان القتل والاغتيال كان سيضرج فيها شوارع الخرطوم بآلاف الجنود الذين فتشوا كل العربات الرائحة والغادية في مناطق مختلفة مما عطل الناس عن أعمالهم وعرضهم لرهق شديد، وأصاب الجنود ما أصابهم من تعب ومشقة وحرج في تفتيش عشرات الآلاف من العربات دون أن يجدوا شيئا.

وادعت الجهات المختصة يومها أنها اخترقت صفوف المتآمرين إلى درجة أنها تستطيع أن تعرف كل كبيرة وصغيرة من مخططاتهم الإجرامية بعد دقائق من الاجتماع الذي يعقدونه، واتضح بعد حكم المحكمة أن القصة مفبركة من أولها إلى آخرها. ولا أجد إدانة لضعف كفاءة النيابة التي قدمت الاتهام أكثر من قول القاضي بأنها لم تقدم أي بينة ضد هؤلاء المتهمين! ماذا كانت تفعل هذه النيابة في قضية استمرت لأكثر من سنة ونصف؟

ولماذا حبس وعذب هؤلاء الأبرياء كل هذه المدة؟ من المسؤول عن هذه الجريمة النكراء؟ وهل استغفلت قيادة الحكومة في هذه القضية أم أنها كانت مشاركة في الفبركة والتخطيط؟ ولمصلحة من حدث كل هذا الظلم والكذب وسوء السلوك؟ ولا أتوقع أن أجد إجابة من شخص مسؤول على هذه الأسئلة مثلما لم يجد الناس إجابة لمذبحة بورتسودان رغم التحقيق الذي أعلن عنه.

ومثلما لن يجد الناس إجابة عن مذبحة سد مروي التي راح ضحيتها العشرات من الجرحى والقتلى وأوكل التحقيق فيها إلى ذات الجهات المسؤولة عنها! ويقولون لك إن بعض هؤلاء المسؤولين يصومون الاثنين والخميس ويصلون السنن والنوافل، والله لو صاموا الدهر كله وأقاموا ليالي عمرهم لما عفا ذلك عنهم جريمة تعذيب واحدة أو قتل رجل واحد.

وأي صيام وصلاة لا ينهيان عن فحشاء ومنكر؟

لن ينال أحد من هؤلاء المسؤولين الذين أقاموا الدنيا في تلك الفبركة الانقلابية أو شاركوا في تعذيب أفرادها مكروه أو تطالهم محاسبة لأن الجميع والغين في ذلك السلوك، ولأن الحكومة فقدت وحدة التوجه والقيادة وأصبح كل مسؤول يفعل في ضيعته التي أوكلت إليه ما يشاء، ولأن الحكومة طال بقاؤها في السلطة دون شرعية سياسية أصبح جلدها «تخيناً» لا تستجيب لنبضات الجماهير ولا تأبه للاستماع لها.

ومع ذلك فان حكم القاضي وحيثياته تمثل نقلة نوعية في ممارسة السلطة تعطي الكثيرين أملا وجرأة في المطالبة بحقوقهم، لا عن طريق حمل السلاح الذي أجبر الحكومة على التفاوض في الجنوب والغرب والشرق، ولكن عن طريق الكفاح المدني السلمي الذي سيكون أبعد أثراً في المستقبل البعيد في تغيير نمط الحكم وتعليم الجماهير.

وأرجو أن يحرص هؤلاء المتهمون على إكمال مسيرة براءتهم بتقديم شكوى قضائية لكل من قام بتعذيبهم أو الإساءة إليهم والمطالبة بالتعويض العادل عن كل ما أصابهم من ظلم في هذه القضية المنكرة، وأن لا يقبلوا تسوية سرية بينهم وبين الأجهزة المختصة مثل ما حدث في نهب أموال طريق الإنقاذ الغربي أو سقوط عمارة جامعة الرباط لأن ذلك أدعى لتثبيت حقوق المواطنين وردع المعتدين على تلك الحقوق.

ان مجرد إثارة القضية علانية يدعم العدالة ويقوِّي أركان الحكم الرشيد في البلاد بصرف النظر عن النتائج المستفادة لأولئك المتهمين. ولا أحسب أن المؤتمر الشعبي يحتاج مني لتشجيع في هذا المقام!

كاتب سوداني