مفاوضات «أبوجا» للسلام في إقليم دارفور السوداني، وصلت إلى مفترق طرق حاسم.فإما أن تتجه صوب التمديد، لإنقاذها من الانهيار وتبعاته؛ وإما أن ترتطم بالحائط المسدود وتسقط، ليدخل الإقليم من جديد في نفق النزف والمآسي؛ مع كل ما قد يترتب على ذلك من مخاطر.

وبما أن الهامش الزمني ضيق ويقاس بالساعات، فإن من مصلحة جميع الأطراف، السودانية والإفريقية والعربية ـ ناهيك بالدولية التي لا تضمر شراً للسودان ـ أن تقوم باستنفار كل إمكاناتها وعدم ادخار أي جهد، لإخراج المحادثات من عنق الزجاجة، فالبديل عن إنقاذها مظلم، والجسم السوداني وبالذات دارفور، منهك كفاية من كثرة النزاعات وتكاليفها الباهظة والتي باتت تهدده في الصميم.

مشروع الوسيط الإفريقي ـ «اتفاق سلام نهائي» ـ الذي رفع إلى الأطراف المتنازعة، لم يحظ بالإجماع، الحكومة السودانية وافقت عليه، المعارضة المسلحة في الإقليم رفضته، بزعم أنه غير متوازن. لذا طالبت بتعديلات جذرية عليه، في ضوء ذلك حصل تمديد للموعد النهائي ولكن فقط لمدة يومين. لكن خوفاً أو بالأحرى تحاشياً للانسداد برز احتمال التمديد لفترة أسبوع أو أكثر، وعند هذه النقطة يتأرجح الآن مصير الوضع في دارفور، واستطراداً في السودان.

الخشية في الموضوع أن مشروع الحل أعطي الصفة النهائية، أي أن إعادة التفاوض بشأنه وبالعمق، باتت غير ميسورة، وربما كان من الأضمن لو حصل التشاور بخصوصه مع جميع الأطراف قبل إعلانه وطرحه كأمر واقع. لكن ذلك تاريخ. الآن مطلوب تعويم المشروع.

ولو أن العملية باتت أكثر صعوبة. فالنزاع في دارفور تمادى وتفاقم إلى حدّ صار معه قضية إفريقية وحتى دولية وليس فقط سودانية، مضى عليه حوالي 3 سنوات ومع ذلك بلغت كلفته البشرية أرقاماً خيالية، وكأنه مضت عليه عقود من الزمن ، عشرات الألوف من السكان قضوا فيه، ملايين تعرّضوا للتهجير والتنكيل وما يستتبع ذلك من مآسٍ وكوارث.

الأمر الذي فتح الباب أمام قوى دولية دخلت على خطه، الأمم المتحدة ضغطت باتجاه تحويل قوات السلام الإفريقية المرابطة في الإقليم، إلى قوات دولية، ممانعة الخرطوم لذلك، خوفاً من التدويل، زادت من تشابك القضية وتسليط الأضواء عليها. فصار بذلك النزاع مثلث الأضلاع: سوداني، إفريقي ودولي، وهو بهذا ينزلق أكثر فأكثر من بين أيدي أصحابه السودانيين ليقع في يد الخارج، عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومن هنا أهمية الوساطة الإفريقية ومفاوضات «أبوجا» وضرورة الإبقاء عليها بل التشبث بها، كخيار لا غنى عنه.

الخطوة الثانية لو انهارت هذه المساعي، لن يكون سوى المزيد من التدويل وبالتالي المزيد من القيود والشروط والإرباكات، صحيح أن الخيارات شحيحة بقدر ما هي التعقيدات كثيرة وقاسية.

لكن أيضاً بقدر ما يستعصي هذا الملف على المحلي ويطول النزاع حوله، بقدر ما تصير التسوية متعذرة ومليئة بالألغام، التي لا تهدد دارفور لوحدة بل كامل التراب الوطني السوداني وتزيد من نزفه، وصمام الأمان المتوفر الآن هو تمديد المفاوضات للوصول إلى اتفاق يكفل عدم تمديد النزاع. فكفى السودان نزاعات.