تشترك أميركا وأوروبا في مشكلة أساسية، اجتماعية واقتصادية. ففي هذا القرن، يهاجر الناس عبر الحدود السياسية التقليدية بوتيرة متسارعة.
وهم يفعلون ذلك في سبيل الرفاه الاقتصادي، وهذا ليس بالأمر الجديد. فبعد عام 1850، انتقل الفلاحون من اسكندنافيا وأوروبا الشرقية إلى البراري الشاسعة في الغرب الأوسط الأميركي. وبتلك الطريقة استطاعوا كسب أجور حقيقية أعلى من تلك الأجور التي كان يكسبها بشق الأنفس أبناء عمومتهم الذين بقوا في بلادهم الأصلية.
وحتى قبل ذلك التاريخ، أرسل داء الفطر الذي دمر محاصيل البطاطس الايرلندية المهاجرين بالملايين إلى شوارع بوسطن ونيويورك وشيكاغو، ويشكل أحفاد هؤلاء جزءاً من النسيج الاجتماعي الحالي، شأنهم شأن اليهود الذين فروا إلى تمثال الحرية لتجنب التجنيد الإلزامي في روسيا القيصرية.
هل شعر بعض الأميركيين المتحدرين من الأصول الانجلوسكسونية الأقدم في أميركا بالامتعاض من هؤلاء القادمين الجدد؟
وليس عليك ان تقرأ روايات سينكلير لويس أو ويلا كاثر لتوثق مشاعر الاستياء الشوفينية هذه. وفي الواقع ان فرضيات داروين المتعلقة بالتطور والنشوء عن طريق الانتقاء الطبيعي استنتجت أنه منذ أيام إنسان الكهف كونت العديد من السلالات تحت تأثير الطبيعة والتنشئة، حساسيات دفاعية اجتماعية إزاء السلالات الغريبة المختلفة عنها بشكل ملحوظ برغم أنها من ذات النوع.
وهذه إحدى الحالات التي يمكن ان يتضارب فيها علم الاقتصاد مع علم الاجتماع. ومن المؤكد ان ملء العالم الجديد في فترة مابعد كولومبوس بالسكان أضاف إلى الناتج العالمي الإجمالي: خبزاً أكثر، ملابس أدفأ، جهد عمل أقل ومتوسط أعمار أطول. لقد كانت معادلة مثالية للجميع وليس فيها طرف خاسر ـ سوى قبائل السكان الأصليين من الهنود الحمر الذين كانوا يعيشون في أميركا قبل 1492.
لكن إلى جانب الثمار الاقتصادية الايجابية من الهجرة، ظهرت مشاعر الكراهية الإثنية ـ كما تجسدت على سبيل المثال في جرائم الإعدام من غير محاكمة في الجنوب الأميركي في فترة مابعد الحرب الأهلية.
وحتى السياسة يمكن ان تتعرض لضغوط شديدة من جراء التنوع السكاني. فعندما قام البيروقراطيون البريطانيون في عام 1918 بتشكيل العراق بحيث يضم مواطنين من كلا الطائفتين الشيعية والسنة، لم يتنبأوا في حينها أنه لن يكون بمقدور أحد سوى حاكم طاغية غير ديمقراطي مثل صدام حسين، حكم هؤلاء، ولعدد محدود من السنين.
والسيناريو نفسه ينطبق على ماحدث أخيراً في مناطق البلقان التي تحررت من المملكة النمساوية المجرية في عهد الإمبراطور فرانس جوزيف بموجب معاهدة فيرساي عا 1918. وبعد موت الزعيم الشيوعي تيتو، أصبحت الحرب الأهلية محتومة بين الصرب والكروات والمناطق المسلمة.
وأنا لا أتحدث هنا عن ماض غابر مدفون في كتب التاريخ. فمجموعات المواطنين البولنديين والمجريين والبلطيكيين وربما الأتراك أيضاً سيصبحون خلال هذا العقد أعضاء كاملي الحقوق والواجبات في الاتحاد الأوروبي الموسع.
عندما شكلت كل من فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا، اسبانيا واليونان الاتحاد الأوروبي في بدايته ، كانت من أهم المزايا الأساسية حرية انتقال العمال إلى أي مكان في الاتحاد الأوروبي. والآن مع استقبال دول سوفييتية سابقة في الاتحاد الاوروبي، لا يزال من غير المعروف كم ستستغرق المداولات والمجادلات قبل إعطائهم كلهم وبدون تمييز حق الهجرة إلى أي مكان يريدونه داخل الاتحاد.
ونحن الأميركيين كنا نظن أننا لن نشهد يوماً تلك الاحتكاكات القومية التي عانى منها العالم القديم. فهنا الوعاء الكبير الذي تذوب فيه كل الفوارق العرقية والدينية والاجتماعية.
فاللاجئون الألمان الذين فروا إلى أميركا بعد فشل ثورة 1848، تعلموا الانجليزية بعدما استقروا في ميزوري، ثم نسي أبناؤهم وأحفادهم اللغة الألمانية، وكان يفترض ان ينسحب هذا النمط في السلوك الاجتماعي على جميع المجموعات الجديدة من المهاجرين الإثنيين.
لكن الأمر لم يعد كذلك الآن. فهناك ما يكفي من المهاجرين المكسيكيين واللاتينيين في ولاياتنا الخمسين لتشكيل كتلة كبيرة لها وزنها من الناطقين والقراء الدائمين للغة الاسبانية.
وترسم كاليفورنيا، اذا لم نقل تكساس، شكل المستقبل على جدار السياسة الأميركية. فمعدلات الولادات المرتفعة والهجرة الداخلية للسكان المتحدرين من أصول لاتينية يشيران إلى ان الناخبين اللاتينيين سيصبحون في المستقبل غير البعيد كتلة انتخابية مهيمنة.ولا يستطيع أحد التنبؤ بالتطورات حتى ذلك الحين.
هل سيعلق الحزب الديمقراطي آماله على العودة إلى محاكاة الحزب الجمهوري المهيمنين حالياً عن طريق استقطاب الناخبين المنحدرين من أصول مكسيكية ولاتينية؟ هذا احتمال معقول وممكن.
معظم الأماكن في أنحاء العالم لديها فصائل فاشية في ديمقراطياتها، فهل ستحقق مثل هذه الجماعات اليمينية انتصارات انتخابية؟ هل ستشكل القضايا العالقة المتعلقة بحقوق السكان الأميركيين الجدد الذين لا يملكون حقوق المواطنة مصادر جديدة للهجمات الإرهابية؟
على الأرجح، فإن الأميركيين الأفارقة، الذين عاش أسلافهم في أميركا منذ قرون، سيكونون الخاسر الأكبر من قدوم المهاجرين المنافسين غير المهرة وبالمقابل، سوف يستفيد المهنيون الأميركيون ذوي الدخل العالي من ظاهرة الهجرة. لكن كيف يمكن التوفيق بين هذه الاختلافات؟
قبل نصف قرن من الآن، تنبأت، في مقالة ذاع صيتها، ان تجارة الجعة قد تكون بديلاً لهجرة الأشخاص باعتبارها مولداً لأجور أوروبية وآسيوية أعلى. فالتأثيرات الاقتصادية للتجارة بالسلع تشبه هجرة الأشخاص، لكن التوترات السوسيولوجية يمكن ان تكون أقل في التجارة.
ولأن اليابان حافظت على انعزاليتها باعتبارها مجموعة جزر، فإنها لم تستقبل سوى أعداد قليلة جدا من المهاجرين. لكن هذا الخيار لم يكن متاحاً لأميركا نظراً لحدودها البرية الجنوبية والشمالية الممتدة لآلاف الأميال.
والدرس الصعب الذي سنتعلمه من كل هذا هو أن المناظرات حول الحد من الهجرة سوف تلازمنا وتلازم مجتمعات أخرى غيرنا لعقود وليس لسنوات تالية.
خدمة «لوس انجلوس تايمز»خاص لـ «البيان»