«أبشع ما في أعمال القتل الإرهابية»، تقول كاتبة القرنين التاسع عشر والعشرين الثورية الإنجليزية إتيل ليليان فوينيتش، «إنها تصبح أموراً اعتيادية، ويبدأون النظر إليها على أنها من الأشياء المألوفة، لينطفئ لدى الناس الشعور بقدسية الحياة الإنسانية».

وبالفعل، خلال عام ونصف العام يحاول الإرهابيون في مصر تعويد أنفسهم وبلدهم والسياح الأجانب على أن أعمال القتل الإرهابية ظاهرة اعتيادية.

في أكتوبر 2004 تفجيرات في طابا، يوليو 2005، شرم الشيخ. وفي الأسبوع الماضي في منتصف المسافة ما بين الأولى والثانية أسقطوا أكثر من مئة قتيل وجريح في منتجعات دهب. توقيت عمليات القتل الإرهابية في أيام الأعياد المصرية بالذات يعني أنهم يستهدفون أبناء شعبهم القادمين لقضاء إجازاتهم قبل السياحة والأجانب.

أنظروا إلى التواريخ أعلاه وتزامنها مع ذكرى حرب أكتوبر أو ثورة يوليو، والآن في أيام شم النسيم وذكرى تحرير سيناء!

تعقب كل عملية إرهابية فترة حذر سرعان ما تتبدد، وتعود الناس أدراجها إلى منتجعات سيناء الشهيرة. هل هو سحر الصحراء، أم تحد لتصحر فكر الإرهابيين، أم أن الإرهاب روض أهل مصر وزوارها كما تروض الحرب سكان مدينة ما؟

مصادفة لا أكثر أن تتزامن هذه العمليات الإرهابية مع ذكرى صدور مؤلف صموئيل هانتنغتون حول «صراع الحضارات»! لكنها تدعونا للتفكير في الجذور الاقتصادية الاجتماعية المترابطة عضويا لظواهر التطرف الفكري للمحافظين الجدد في البيت الأبيض.

والذين ارتقوا بالإرهاب إلى مصاف السياسة الرسمية للدولة في توجهاتها الكونية بمعزل عن المجتمع والقانون الدوليين، والتطرف التكفيري الظلامي الذي تربى وازدهر في البلدان المتخلفة خلال عقود من سنوات تغييب الديمقراطية والإرهاب الرسمي ضد القوى الديمقراطية، والمذعور الآن أمام زحف العولمة وآثارها التحديثية على مجتمعاتنا.

إنه حتى وإن اختفت مظاهر التحالف العلني بين الولايات المتحدة والقوى الظلامية الذي كان قائما أيام مواجهة الاتحاد السوفييتي، فإن وصول المحافظين الجدد إلى سدة الحكم كأنما أعاد هذا «التحالف» بصورة مستترة في شكل «حرب» بينهما.

إن دعوات صراع الحضارات التي يطلقها أيديولوجيو التطرف اليميني المدعوم من قوى الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة والغرب ذات «المليار الذهبي» من البشر هي ذاتها التي يطلقها أيديولوجيو الفكر اليميني الرجعي المتطرف والمتلبس بالدين في بلدان التخلف التي يقطنها ما يزيد على خمسة مليارات نسمة.

منذ أن برزت الولايات المتحدة كقطب أوحد في هذا العالم انتعش فكر التعصب القومي ونزعة إدارة النظام الرأسمالي العالمي ليس من منظور مصلحته، بل المصالح الخاصة لأميركا وقواها الحاكمة المرتبطة بصناعتي النفط والسلاح تحديدا. لذا فإن الأداة العسكرية هي التي تتقدم كل الأدوات الأخرى لتغيير العالم، مروجة أن مجرد إطاحتها لنظام دكتاتوري كفيل بنشر الديمقراطية والأنماط الرأسمالية المتقدمة دون التهيئة الجدية للمرور بعملية طويلة من الإصلاحات والبناء المؤسسي.

وبسبب خطأ هذا التفكير تم إسقاط دكتاتور العراق ونظامه بضربة أميركية قوية، ليصبح العراق بالنتيجة قاعدة «للقاعدة» ولتصدير الإرهاب إلى بلدان الخليج والعالم. وهكذا فبتطور السياسة الخارجية الأميركية القائمة على مبدأ القوة في إطار ما يسمى «بالحرب على الإرهاب» جعلت الإرهاب أكثر انتشاراً وازدهاراً. لقد أصبح هذا «التطور» في فكر المحافظين الجدد يثير الفزع حتى لدى بعض كبار أيديولوجيي المحافظين أنفسهم.

ففي الذكرى الثالثة للحرب على العراق أعلن فرانسيس فوكوياما في مقالة نشرتها «الغارديان» في أواخر فبراير الماضي براءته منهم قائلاً: «®. وبعد مثل هذا التطور للمحافظة الجديدة أجدني غير قادر على تأييدها لا كرمز سياسي ولا كاتجاه فكري».

ويدعو فوكوياما إلى أن تقوم مكافحة الإرهاب في السياسة الدولية الأميركية على نشر الديمقراطية عن طريق مساعدة الشعوب في التغلب على أوضاعها وليس غزوها واحتلال بلدانها. لكن المحافظين الجدد يعتبرون أنهم المثل الأعلى في الكون ولهم، دون غيرهم من دول العالم وهيئة أممه، حق وأفضلية معنوية في استخدام القوة المسلحة من أجل إعادة تشكيل العالم. وهناك من الظروف الموضوعية المستجدة ما يهيئ لأن يبقى الإرهاب و«الحرب ضد الإرهاب» مستمرين في تغذية أحدهما الآخر.

فأسعار النفط ترتفع باطراد لأسباب اقتصادية وغير اقتصادية. وهذا يشكل قنوات ضخ مالية للجهتين: أولاً، ارتفاع أسعار النفط وتأجيج بؤر التوتر يخدمان معا مصالح المحافظين الجدد تحديداً. ثانياً، تحقق اكثر الدول المنتجة للنفط، عائدات مالية ضخمة تبدو معها اقتصاداتها، بحكم طبيعتها الحالية وبناها، عاجزة عن استيعاب قسم كبير من هذه الأموال.

ولذلك فإلى جانب إعادة ضخ قسم كبير منها إلى الخارج، وآخر لتحسين بعض الأوضاع الاجتماعية. ويسمح الفساد الإداري والمالي وسياسات التنفيع، في بعض الدول، بضخ أموال لا حصر لها لصالح قوى اجتماعية مؤثرة ومرتبطة بقطاعات الاقتصاد غير الفعلية وبالبنى المؤسسية القديمة للدولة.

ومن بين هذه القوى من يرغب في إبداء مقاومة مستميتة في وجه تحديث الاقتصاد والدولة والمجتمع. وهي في عدائها للأميركيين والغربيين، كما لأنظمة بلدانها، تنطلق من هذا المنظور بالذات. وتلجأ لتوظيف الدين والقوى الدينية المتطرفة لتخوض عنها المعركة مسخرة المال والنفوذ لتمكينها.

وما لم تتم إعادة النظر بجدية لتوظيف هذه العائدات باتجاه العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل الوطني والتنمية المستدامة والمتكاملة ودعم المحيط الإقليمي لمكافحة الفقر ومن أجل التقدم الاجتماعي، فمهما جرى الحديث عن أهمية تجفيف منابع المال الداعم للإرهاب، فإن ظروفا موضوعية تتهيأ لمعين لا ينضب من المال «الفائض» والناس المحرومين.

كاتب بحريني