يعرض في دور السينما البيروتية فيلم المخرج السينمائي سبنجلر المعنون بـ «ميونيخ» وهو معتمد على موضوع مطاردة الموساد الإسرائيلي لبعض القيادات الفلسطينية التي تدعي إسرائيل انها كانت خلف فكرة اختطاف، ومن ثم اغتيال الرياضيين الإسرائيليين في اولمبياد ميونيخ عام 1972.
القصة التي يرويها الفيلم لا تخلو من الخيال وفيها من الحقيقة بعضها فقط ،وهي معتمدة أساساً على تكليف من رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير لشخص كان يعمل في فريق حمايتها لرئاسة فريق من خمسة أشخاص من اجل مطاردة اثنا عشر شخصية فلسطينية لتصفيتهم في أي مكان كانوا فيه أخذا بثار الرياضيين الإسرائيليين الإثنا عشر الذين قتلوا.
لم تكن القضية الفلسطينية معروضة في الفيلم ،معظم الحوار والصور المكررة تركز على قدرة الإسرائيليين أو الفريق الصغير الذي تكون خارج رحم المؤسسات الرسمية، أو هكذا أراد المخرج أن يقول للمتفرج ، قدرته على استقصاء أماكن ونشاطات من يريد ان يغتالهم من القيادات الفلسطينية ،والقيام بما كلف به الفريق على أكمل وجه. هو رامبو جديد، له القدرة الفائقة والعالم مسرحه الكبير.
أن يعرض هذا الفيلم في هذا الوقت يُعيد من جديد صورة العربي «الارهابي» الذي لا يتوانى عن قتل النفس البشرية ببرودة أعصاب، في الوقت الذي نرى فيها في الفيلم تصرف الإنسان الحضاري الإسرائيلي.
ففي لقطة اغتيال وائل زعيتر، يزرع الفريق في جهاز التلفون في منزل زعيتر قنبلة شديدة الانفجار، على أساس انه بمجرد ان يرد على التلفون تتفجر فيه، الا ان ابنته الصغيرة التي عادت بسرعة لتلتقط نظارة والدتها التي نسيتها بعد أن غادرت المنزل لتوصيل الفتاة إلى المدرسة، ترفع سماعة التلفون، فيظهر الفزع على الفريق المنفذ.
ويجرى بعضهم بصورة لاهثة لمنع الكارثة التي تكاد أن تقع في قتل طفلة صغيرة،وفي اللحظة الاخيرة يتمكن الفريق من ايقاف مفاعيل القنبلة عن بعد قبل أن تنفجر، إلا أن الفريق نفسه ما أن غادرت الطفلة المنزل أن عاد يفجر دون رحمة زعيتر عندما رد على التلفون! هذه اللقطة بالذات تشيع بين المشاهد غير الفطن، تأكيد «الحضارية» التي يتمتع بها الإسرائيلي!
هذه الروحية «الحضارية» تعود الينا مرارا في ثنايا الفيلم عند الحديث عن دور اسرئيل ورسالتها في المنطقة في حوار مكثف بين شخوص الفيلم.
بعد مطاردة واسعة في أنحاء العالم يستطيع فريق القتل المكلف ان ينجح في قتل عدد من القيادات الفلسطينية،منهم محمود الهمشري وكمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف والثلاثة الآخرون بجري اغتيالهم في بيروت في أحضان عائلاتهم.
ويجري اغتيال ليس فقط من هم ضمن القائمة بل وايضا من يعترض طريق الفريق المنفذ، دون احترام لاي من القوانين السائدة في الدول التي تجري فيها جرائم القتل، فقط أبو علي سلامة، مسؤول الأمن الفلسطيني تجري محاولة اغتياله أكثر من مرة وتفشل بسبب عجيب وهو حماية المخابرات الأميركية له، هذا في الفيلم طبعا!.
إلا أن البطل رئيس فريق القتلة تظل تطارده بعد ذلك الهواجس والكوابيس رعبا من أن تقوم الموساد بتصفيته لتغطية العملية بكاملها، حيث انه منذ البداية قد قيل له انه متطوع وليس لدولة إسرائيل من قريب او بعيد أية صلة بإعماله،لا توجد ميداليات تعلق على صدره، ولا احتفالات ب«نصره»، فقط هو قاتل محترف يحقق فخرا لإسرائيل دون ان يعرفه احد او يعترف به احد.
في نهاية الفيلم يحاول احد رؤساء الموساد ان يقنع بطل الفيلم بترك مكانه في بروكلن الحي اليهودي في نويورك الذي لجأ إليه وأسرته،والعودة إلى إسرائيل موطنه،يرفض بشدة، صحيح انه لم يعرف اُما غير إسرائيل، كونه قد تربى في احد الكيبوتزات الجماعية يتيما، بعد هجر والديه له وهو صغير،ولكنه يصر على ان يعرف بالضبط هل كل من قتلهم لهم علاقة بأحداث ميونيخ أم لا،وما هي تلك العلاقة بالتفصيل من اجل ان «يرتاح ضميره» ويتخلص من الكوابيس الفظيعة التي تراوده.
كما قلت فإن القضية الفلسطينية ليست موجودة أو مناقشة في الفيلم، الموضوع الإسرائيلي هو الطاغي،فقط نقاش جانبي يحدث عندما يصادف فريق فلسطيني مكلف باعمال في اوروبا يبيت في نفس المنزل السري الذي يبيت فيه فريق القتل المكلف بتصفية من يقوم ذلك الفريق الفلسطيني بحمايتهم،وهي مفارقة أراد المخرج منها مقابلة «فريقي قتل» لا أكثر،وربما لها رمزية تريد أن تقول، انه حتى في هذه المقابلة غير المنطقية يتفوق الفريق الإسرائيلي.
بالطبع للمتفرج خارج الوطن العربي وربما للعربي خارج الوعي الدقيق يرسل الفيلم رسالة واضحة هي أن القتل هو عمل عبثي، الأفضل ان يتوقف الناس عن القتل،وهي رسالة تبدو حضارية، الا أن الفيلم لا يناقش أسباب القتل ودوافعه.
وهي أن هناك ظلما فادحا وقع على شعب اعزل واغتصبت أراضيه، كما يأخذ الفيلم الوجود الإسرائيلي على الأرض بأنه معطى حق مطلق لا يناقش،وان هؤلاء العرب الأشرار يطاردون السكان لقتلهم دون سبب.
صناعة السينما صناعة فائقة القدرة في التأثير والإقناع، والفيلم «ميونيخ» لا يجب أن ندينه او نمنعه بسبب موقفه الفكري، الا ان القصور هو في عرض القضية العربية المحقة، سواء عن طريق الثقافة او الفن الحديث،وعلى رأسه الفن السابع (السينما).
وان عدنا لقيام دولة إسرائيل تاريخيا فإن أول قرارين أتخذا منذ البداية كانت قرارات ثقافية،هي إحياء اللغة العبرية، وبناء جامعة القدس! كانت تلك القاعدة التي تفرعت منها قواعد عديدة.
الصناعة العربية في ساحة الفن السابع ( السينما) مازالت هزيلة،وعلى الرغم من كل الأموال التي يتصرف بها بعض العرب وهي طائلة ، لم يوظف أي مال حقيقي في هذه الوسيلة التي تسمى اليوم وسيلة الإقناع الأهم في العالم، حتى للقضايا المصيرية.
كاتب كويتي
