للحركة العمالية في بلدنا تاريخ مشرف من البذل والعطاء والانجاز، وهي لذلك محل امتنان دائم في مجتمعنا الذي يعيش حالة من التنمية المستدامة والسعي الحثيث نحو النهضة الشاملة والتطوير والتحديث والبناء، ومع ان تعريف العامل يعني كل من يعمل مقابل اجر وهذا يشمل معظم قطاعات الشعب الاردني، الا اننا غالبا ما نحتفل في مثل هذه المناسبات بالعمال المنتسبين للاتحاد العام للعمال وغيره من النقابات العمالية.
في التحقيق الذي نشرته الدستور امس ظهر ان عمال الاردن الذين يمارس بعضهم اضرابا مفتوحا لنيل ما يجزمون انها حقوق لهم يعانون جميعا من استمرار تصاعد الاسعار وارتفاع تكاليف المعيشة ويعتبرون العام الحالي والفائت عامين اسودين.
ولكن ما بين المطالبة برفع الحد الادنى للأجور والمطالبة براتب الشهر الخامس عشر تظل المساحة الرمادية مؤشرا على وجود أزمة حقيقية تعيدنا الى اصل العلاقة بين الدولة وعناصر اقتصادها الوطني حيث ادت الخصخصة الى قطع تلك العلاقة من منظور أمن وسلامة واستقرار الوطن.
من الطبيعي ان تأخذ النقابات فرصتها لقيادة وتوجيه بعض الاضرابات التي يشنها مهندسو وعمال شركات كبرى مثل البوتاس، ومن المتوقع ان تتنافس او تتبارى نقابتان او اكثر على حق التعبير نيابة عن المضربين لكن من غير المقبول ان تبقى بعض الاطراف المعنية معزولة عما يجري وان تبدو بعض الشركات عاجزة عن جعل عمالها جزءا من مجتمعها الخاص، بينما يغيب مفهوم انتماء العامل للمشروع الذي يحقق له ولو الحد الادنى من متطلبات معيشته بحجة ارتفاع الاسعار او ما يعتقد بأنه حق مشروع بنيل جزء من ارباح ذلك المشروع.
يقول العمال انهم يمارسون حقهم في التعبير عن موقفهم، وفي غياب اي اجراءات رادعة من الحكومة نتيجة الخسائر التي يتعرض لها الاقتصاد الوطني فان حق التعبير مصون مع ان قانون العمل والعمال يخترق بشكل فاضح، وهذا يقودنا الى التنبيه من خطورة استخدام بعض الحقوق للتعدي على القوانين.
فالمسألة هي ان الاردن يواجه ظروفا اقتصادية صعبة نتيجة اوضاع يعرفها الجميع من بينها ارتفاع اسعار النفط الخام في الاسواق العالمية.. والتطورات المحيطة بنا وغير ذلك من العوامل التي تحتاج الى معالجة شاملة على المستوى الوطني.
العمال أولى من غيرهم بمعالجة اوضاعهم المعيشية ويجب النظر الى مطالبهم بجدية، ولكن لا يجوز ان يكون الاضراب وسيلتهم الوحيدة، فلا بد ان توضع ضوابط تنظم العلاقة بينهم وبين الادارات العليا، وان يتدربوا على الاساليب الديمقراطية في التعامل مع ارباب العمل وصولا الى النتائج التي تكفل حقوق الاطراف جميعها وتصون اقتصادنا الوطني، وتأخذ في الاعتبار خطط الدولة واستراتيجيتها تجاه المستقبل والاجيال القادمة.
نود ان نوجه التحية للعمال جميعهم بمن فيهم العمالة العربية الوافدة التي تعمل في قطاعي الزراعة والخدمات بصمت، ونسأل في الوقت نفسه ما هي حقيقة وضعنا الاقتصادي الذي يجعل من بلدنا بلدا جاذبا للاستثمار والعمالة في حين تتفشى البطالة في انحاء البلاد وتضيق فرص العيش الرغيد على العاملين في القطاعين العام والخاص.
وتتسع مساحة الكدر والنكد وعدم الرضى من دون ان نعرف ما اذا كان القياس قائما على المتطلبات والاحتياجات الاساسية ام على الكماليات التي تحولت الى ضرورات ملحة في مجتمع استهلاكي لم يعد يقيم وزنا لتقاليده النبيلة التي جعلت فقره على مدى عقود من الزمن جزءا من حياة طيبة كريمة.. في يوم العمال نحتاج الى وقفة تأمل تجعلنا نقول كل عام وانتم بخير ونحن على ثقة بأننا نقف في المكان الصحيح.