ربما كانت الدعوة التي وجهها الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، قبل يومين، لإجراء حوار وطني تشارك فيه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئاسة المجلس التشريعي وممثلو كافة الكتل البرلمانية والفصائل، هي الحل الأمثل لوقف حالة التصعيد بين الحكومة الجديدة التي تترأسها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ورئاسة السلطة الوطنية، غير أن هذا المؤتمر وحده لا يكفي، فهناك على الأرض أكثر من مشكلة يجب حلها بسرعة، حتى لا يجد المتحاورون أنفسهم في نهاية المطاف أمام توافقات غير قابلة للتنفيذ.

لقد حدد الرئيس الفلسطيني، للأطراف المطلوب مشاركتها، ثلاث قضايا للبحث، هي مناقشة الوضع السياسي الراهن وحماية السلطة وتعزيز الوحدة ومواجهة الحصار وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وهي بلا شك قضايا مهمة، غير أن الأهم منها، من باب الضرورات، هو المسارعة بوقف الخلاف المتفاقم بين رئاسة السلطة ورئاسة الحكومة على مسألة الأجهزة الأمنية، والبحث عن سبيل عاجل لمواجهة الضغوط الدولية، التي تهدف إلى إفشال خطط الحكومة الجديدة، ومن ثم إجبار الفلسطينيين على إسقاطها، تنفيذا لرغبة إسرائيل، والذين يدعمونها.

لقد عبرت دعوة أبو مازن، عن وعيه الواضح بخطورة التحديات الاستراتيجية التي تواجه القضية الفلسطينية، لكن هذا الوعي لا يجب أن يكون سببا في تجاوز مشاكل الواقع الحياتي والأمني، التي يمكن أن تتحول مع الوقت إلى تهديد جدي لمستقبل القضية برمتها، سيما مع اتجاه رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف إيهود أولمرت لتنفيذ خطته أحادية الجانب.

لكن كل هذه الملاحظات لا تبرر لأي من الفصائل الفلسطينية، رفض حضور المؤتمر، فثمة حاجة حقيقية الآن للقاء جامع، يعيد لمختلف الأطراف تلاحمها المعروف، ويزيل الشوائب التي علقت في الأجواء خلال الأشهر الماضية. وحتى القول إن مؤتمر الحوار المزمع، سيكون محفوفا بالفشل، نظرا لعدم التحضير الجيد له، يتلاشى بالنظر إلى ما يمكن لهذا التجمع أن يحققه، ولو على الصعيد المعنوي، علما بأن المناسبة ذاتها يمكن أن تكون فاتحة للفصائل الفلسطينية كي تجتمع بشكل دوري ومنظم، لوضع خطط وطنية مشتركة، على نحو ما يفعل عدوها سنويا خلال مؤتمر هرتسليا الذي يحدد بشكل غير حزبي الطريق التي تسير عليها إسرائيل، بصرف النظر عمن يتولى السلطة.

لقد بات مطلوبا من الفلسطينيين أن يقفزوا فوق اللغة الفصائلية، بحثا عن خارطة طريق فلسطينية تأخذ في اعتبارها التحولات العالمية والإقليمية، دون أي تنازل عن الحقوق الوطنية الثابتة، خصوصا في المرحلة الراهنة، التي تعد الأحرج في عمر القضية، وعمر أصحابها.