الدعوة التي أطلقها رئيس السلطة الفلسطينية لعقد مؤتمر حوار وطني موسع، مبادرة في محلها، ليتها صدرت قبل هذا الأوان. لكن مجيئها متأخرة لا يقلل من أهميتها.

فالساحة الفلسطينية، بأوضاعها الداخلية، وضروب الحصار المفروضة عليها من الخارج، بحاجة ماسة إلى مثل هذا التلاقي. البيت الفلسطيني، باعتراف كافة أطرافه، يعوزه الترميم المستعجل، ترتيبه بات ضرورة حيوية وشرطا لا غنى عنه في هذه المرحلة، من مراحل تطور قضيته وعلاقاته.

والجانب الآخر المغبط في هذه الدعوة يتمثل في الاستجابة الواسعة لها، كما في طابع العجلة الذي اتخذته. تبقى النتائج والحصيلة.

السوابق لا تحمل على الاطمئنان لكن الظرف مختلف بل مصيري وخطير. والكل في الخانة نفسها. على الأقل من وجهة نظر الرأي العام، الفلسطيني والعربي، الذي لن يعفي أحدا من المسؤولية اذا تبددت هذه الفرصة المواتية للتوافق على صيغة وحدة وطنية ولو بحدّها الادنى.

فهذه باتت مطلباً ملحاً لسد فجوات التآكل في الوضع الفلسطيني، أمنياً وسياسياً بصورة خاصة. كما باتت مفتاح التحصين الضروري له كي يقوى على الصمود ووقف هجمة التصفية القادمة، التي بدأت بروق إعصاره تلمع في الأفق القريب.

ليس سراً أن الشروخ الداخلية الفلسطينية باتت واسعة وعميقة. الصراعات وحواجز الارتياب المتبادلة، فضلاً عن التضارب في المقاربات والمشاريع، ساهمت كلها في شحن الأجواء ومراكمة سلبيات، أخذت تعبيرات مختلفة من التصعيد.

كان آخرها موجة من المصادمات المسلحة والملاسنات السياسية الحادة. الأمر الذي أثار المخاوف الجدية من احتمال اندلاع اشتباك أهلي يقضي على المتبقي من إمكانات صمود.

من هنا تأخذ الدعوة الراهنة أهميتها. فترك الأمور تتردى بالوتيرة ذاتها، نتيجته معروفة.

وكأن التنادي إلى الحوار وبسرعة، جاء لقطع الطريق على المزيد من التدهور. والشعار واضح: «حماية السلطة الوطنية وتعزيز الوحدة الوطنية ومواجهة الحصار المفروض على شعبنا، مع تفعيل دور منظمة التحرير». وهو يضع النقاط على حروف الأخطار المحدقة. وبذلك فهو أشبه بالصرخة.

وسرعة التجاوب مع الدعوة، من جانب حركة «حماس» وبقية أطياف الساحة الفلسطينية، تنطوي على إدراك لدقة هذه اللحظة وما تختزنه من إلحاح وضغوطات وضيق لمساحة المناورة والتكتيك وتسجيل النقاط.

والملفت أن الدعوة شملت أطيافا واسعة من القوى والفعاليات الفلسطينية الشعبية والإعلامية والأكاديمية وبما يتجاوز تشكيلتها السياسية. توسيع المشاركة له أكثر من وجه ايجابي.

فهو لابد أن يساعد على تبريد الأجواء ولجم الصراعات السياسية الضيقة والتخفيف من شدة الحساسيات السائدة بين القوى، التي شهدت علاقاتها حالة من التأزيم والتوتر العاليين، في الآونة الأخيرة.

الحوار المطروح، بعناوينه والمشاركة العريضة في جلساته المقرر أن تبدأ غداً الثلاثاء، فرصة جديدة وواعدة. شرط تغليب ما تقتضيه اللحظة الراهنة من تقارب على الحسابات الصغيرة أو تصفية الحسابات.

فالقواسم والمصالح المشتركة موجودة. ولا يتعذر تحديدها والبناء عليها اذا استقام التقييم للظروف الحالية وموجباتها. ولا عذر للتسمّر في الخنادق وترك الساحة نازفة تحت الاحتلال فهل هناك حالة ضاغطة أكثر من التجويع والخنق؟