هذه الإدارة، من الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، زرعت بذور حصاد مرّ في الشرق الأوسط سيحصده الأميركيون لعقود، إذا لم يكن لأجيال مقبلة.

ويتضمن هذا الحصاد فاتورة حرب تقترب من 400 مليار دولار وتزداد بمعدل 100 مليار بالسنة، قوات مسلحة أميركية طحنتها الانتشارات المتواصلة إلى ساحات القتال وخسائر بشرية كبيرة لا تتضمن آلاف الجنود الذين يعودون إلى أرض الوطن بمشاكل نفسية معقدة.

لن يكون بوسعنا أبداً معرفة كم جندي من قتلانا وجرحانا كان يمكن إنقاذهم لو توفرت لهم دروع واقية أفضل، عربات أكثر وأفضل تصفيحاً، وأهم من ذلك كله، تقويماً صادقاً لمقدرات العدو الذي أرسلوا لقتاله.

والآن يدخل، غزو واحتلال العراق الذي يفترض أن ينتهي بحلول صيف 2003، عامه الرابع، والعنف لم يخمد وأعداد الأميركيين والعراقيين الذين يموتون يومياً لم تنخفض.

وليس صحيحاً أن الرئيس ونائبه ووزير دفاعه لم يتم تحذيرهم من كل هذه العواقب، وإن كانوا يريدوننا أن نصدق هذا، والحقيقة أنهم اختاروا تصديق رؤيتهم الوردية الخاصة لما كان يجري، وما لم يكن يجري في العراق، داعمين هذه الرؤية بآراء أشخاص من أمثال أحمد الجلبي.

وبينما يرتعش العراق الآن على شفير حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، أفاد المراسلان الصحافيان جوناثان لانداي ووارين ستروبيك، زميلاي في وكالة «نايت ريدر» مؤخراً بأن تقويماً استخباراتياً قومياً تم إعداده بناء على طلب من القيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية في أكتوبر 2003.

وحذر ذلك التقرير من أن الخطر الحقيقي الذي نواجهه في العراق هو المسلحون السنة وليس فقط المسلحين الأجانب وأعضاء حزب البعث الذين ظل البيت الأبيض والبنتاغون يتحدثان عنهم في كل مناسبة كبعبع.

إن قادة أميركا المدنيين، بتحريفهم أو تجاهلهم لتحذيرات كبار محللي الاستخبارات في «السي آي إيه» ووكالة استخبارات الدفاع ومكتب الاستخبارات والأبحاث بوزارة الخارجية، سمحوا لمقاومة سنية صغيرة بالنمو.

ولقد أطلق معدو تقرير «التقويم الاستخباراتي القومي» هذه التحذيرات لكنهم قدموا أيضاً آمالاً جيدة للتحسن، بقولهم بأنه يمكن القضاء على المقاومين إذا تحسن الوضع الاقتصادي في العراق.. وسعى مسؤولون عسكريون ومدنيون آخرون لزيادة عدد القوات الأميركية في العراق، وإعطاء دور للسنة في أي حكومة جديدة.

لكن إدارة بوش تجاهلت مضمون التقرير وشككت في أهلية من قام بإعداده، وكان نائب الرئيس ديك تشيني منفصلاً تماماً عن الواقع لدرجة أنه أعلن في مايو 2005 أن المقاومة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

إذن ما نعرفه الآن هو الآتي: لقد تم إخبار الإدارة مراراً وتكراراً عن الأخطاء في العراق وما ينبغي فعله لتصحيح المسار، لكن زعماء الإدارة اختاروا تجاهل الحقيقة.

ولابد هنا من العودة مرة أخرى للحديث عن الإخفاق في تسليح وحماية جنودنا كما ينبغي والتقصير في إرسال أعداد كافية منهم في البداية لإنجاز المهمة وعدم فسح المجال لتفجر ذلك البلد الكبير المنقسم طائفياً وعرقياً.

وعندما تجرأ جندي أميركي في الكويت على تحدي دونالد رامسفيلد بالتطرق لقضية حماية المركبات العسكرية، أجاب وزير الدفاع: «يجب عليك أن تذهب للحرب بالجيش الذي تملكه وليس بالجيش الذي تتمناه».

وفي ذلك الحين، كان رامسفيلد يرسل الفرق الأميركية إلى العراق بدون دباباتها ومركباتها القتالية الثقيلة، وكان يرسل طواقم هذه المركبات للقيام بدوريات في أخطر الشوارع في مركبات هامفي الخفيفة.

إن 60 بالمئة من خسائرنا البشرية في العراق جاءت من العبوات المتفجرة التي يستطيع أي مبتديء زرعها بجانب أو تحت أي طريق في المدينة أو خارجها، ومن ثم يكبس على زر التفجير حالما تمر قافلة أميركية من جانبها.

مرت ثلاث سنوات مضنية في هذه الحرب، الآن فقط تذكر البنتاغون أن يعين جنرالاً متقاعداً في رئاسة فريق للبحث عن حلول تقنية لهذا السلاح الذي يعتمد عليه العراقيون وبشكل رئيسي.

سوف يحكم التاريخ بقسوة على بوش وتشيني ورامسفيلد لما فعلوه ولما لم يفعلوه أيضاً، عندما كانت أرواح الجنود الأميركيين ومستقبل أطفال أميركيين لم يولدوا بعد في أيديهم.

وباختصار أقول لرامسفيلد عليك أن تخوض الحرب التي بين يديك، وليس الحرب التي تتمناها وعليك خوض هذه الحرب بالقيادة التي تملكها وليس بالقيادة التي تتمناها.

خدمة لوس انجلوس تايمز - خاص لـ «البيان»