تستطيع الحكومة الفلسطينية، على المدى القريب، فك الحصار المفروض عليها مالياً وسياسياً من قِبل الدول الغربية. وحتى لو اعترفت حركة حماس بإسرائيل فإن احتمال فك العزلة يبقى ضئيلاً، لأن مطلب الاعتراف من جانب واحد بإسرائيل ستتبعه مطالب أخرى لا تقل إيلاماً بالنسبة لحماس عن الاعتراف كإعلان نبذ العنف والإرهاب ونزع سلاح المقاومة كلها واعتقال مقاومين وليس مجرد تحييدهم.

فالمسألة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل ليست مجرد اعتراف، بل هي دعوة حماس للانتحار الذاتي مقابل البقاء في الحكم، ونظرياً يمكن القول إن الفلسطينيين ارتكبوا خطيئتين معاً في السنة الأخيرة:

الأولى: الوقوع في فخ الانسحاب الأحادي من قطاع غزة وضمان الخروج الإسرائيلي بأقل الخسائر ومن دون ضمانات حول مستقبل القطاع الذي بقي تحت الاحتلال عن بعد عملياً.

ثم خطيئة إجراء الانتخابات الديمقراطية في ظل الاحتلال، حيث إن الحرية تسبق الديمقراطية، وبالتالي فإن وصول حماس إلى الحكم هو محرقة لها ما زالت تصطلي بنارها حتى الآن، بينما وضعت الانتخابات حداً لحركة فتح صاحبة المشروع الوطني الفلسطيني، مع احتمال أن حركة فتح لن تُبعث من جديد، بل هي في طريقها للاندثار لفقدانها القيادة الكاريزمية القادرة على إعادة إحيائها.

عندما تحدث خالد مشعل عن حكومة موازية لم يكن يبالغ، لكنه لم يتصل بالرئيس الفلسطيني ليعرف منه سبب وجود مستشارين حوله يؤدون مهام موازية لمهمة وزراء حكومة حماس، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس اضطر إلى ذلك في محاولة لتسيير الأمور بعد أن سدّت السبل أمام حكومة حماس.

لكن يبدو أن الأمور تتجه نحو تجذير هذه الحكومة الموازية وتركيز الصلاحيات في مؤسسة الرئاسة بدلاً من الحكومة. وهنا يظن أبومازن وكأنه بوتقة تجارب للسياسة الغربية. فهو أول رئيس وزراء فلسطيني خاض صراعاً مع الرئيس الراحل ياسر عرفات لانتزاع صلاحيات سيادية للحكومة التي شكلها، وفيها صلاحيات أمنية ومالية، لكنه وجد نفسه الآن يستعيد هذه الصلاحيات من الحكومة بعد فرض العزلة الدولية على حكومة حماس.

فالغربيون والأميركيون في الأساس هم من زيَّنوا لياسر عرفات منذ البدء عملية تشغيل آلاف مؤلفة من الموظفين بعضهم بلا عمل حقيقي بهدف جذب الشباب إلى العمل الرسمي حتى لا يتحوّلوا إلى نشطاء معارضين لاتفاقات أوسلو.

وكان الغربيون يدفعون رواتب رجال الأمن مباشرة وظل عرفات لفترة أسيراً مالياً للغربيين حتى نجح في فك الأسر عن طريق إيجاد مصادر دخل إضافية عن طريق احتكار الوقود والتبغ وتجارة بعض المواد الأساسية كالاسمنت والرمل.. إلخ.

وعندما عيّن سلام فيّاض وزيراً للمالية وسط ترحيب أميركي ـ أوروبي حتى يراقب مسار الأموال ويوحّد المصادر المالية للسلطة وإيراداتها حتى لا تبقى تحت يد الرئيس، اتجه عرفات نحو زيادة نسبة التوظيف لإحراج الوزير الذي كان مكلفاً بتدبير الأموال لهذا الغرض وخلال خمس سنوات.

أي منذ أن تسلّم فيّاض وزارة المالية حتى تاريخه، ارتفع عدد موظفي السلطة من حوالي مئة ألف إلى 165 ألفاً، وارتفعت فاتورة الرواتب من 51 مليون دولار إلى 120 مليون دولار شهرياً، واستهلكت الحكومة السابقة كل الاحتياطي الاستراتيجي للسلطة من أموال في صندوق الاستثمار ورهنت موجوداته لقاء قروض بنكية.

فحركة حماس عملياً تسلمت خزينة فارغة، لأن الحكومة السابقة أيضاً كانت تعاني من عدم وفاء الدول المانحة بالتزاماتها تجاه ميزانية السلطة.

الآن مرّ شهر من دون صرف الرواتب، ليس بسبب عدم توافر الأموال التي تم حشدها من الخارج، بل لمقاطعة البنوك للحكومة، وكان البنك الدولي بحث قبل أسابيع إمكانية قيامه بصرف الرواتب ضمن صندوق دولي تصبّ فيه الأموال ويُوضع تحت تصرُّف الرئاسة الفلسطينية.

واقترح الرئيس الفرنسي قبل أيام هذا المخرج أثناء زيارة الرئيس عباس لباريس. وهو اقتراح لا بد منه، من ناحية، لكنه من ناحية أخرى يعمِّق الفجوة بين الرئيس ورئيس وزرائه .

ويعيد السلطات إلى يد الرئيس بحيث يعود النظام الفلسطيني إلى النظام الرئاسي مثلما كان إبّان حكم عرفات قبل استحداث منصب رئيس الوزراء الذي تم برغبة أميركية ـ أوروبية لقضم صلاحيات عرفات وإضعافه ومن ثم فرض العزلة عليه لتصفيته سياسياً، ثم تصفيته جسدياً وهو ما حدث عملياً.

ويترافق كل هذا مع دعوات غربية لدعم جهاز الحرس الرئاسي المسمّى القوة 17 في وجه حركة حماس التي بدأت بتشكيل جهاز أمن يتبع وزير الداخلية رغم معارضة الرئيس، وهذا أيضاً يعمِّق الهوّة بين الرئيس والحكومة ويوجد قوتين متصارعتين وليس متكاملتين على الساحة الفلسطينية.

إذاً، فالساحة الفلسطينية تبدو الآن عرضة للاستقطاب الدولي، وإذا وضعت تحت الانتداب الدولي مالياً فإنها ستكون مرشحة لتوتر داخلي قد يؤدي إلى فتنة داخلية وهذا من شأنه محو إنجازات عقود من النضال والمقاومة. فالانتداب البريطاني على فلسطين أضاع 80% منها ويبدو أن الانتداب الدولي سيضيع الباقي.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين