عقدت الدوحة، مؤتمرها الرابع لحوار الأديان 25 ـ 27 ابريل 2006، بتنظيم واشراف كلية الشريعة بجامعة قطر، واللجنة الدائمة للمؤتمرات بوزارة الخارجية.
يأتي هذا المؤتمر، ضمن سلسلة مؤتمرات لحوار الأديان، احتضنتها الدوحة، بدءاً بالمؤتمرين الأول والثاني المقتصرين على المسلمين والمسيحيين، واتسع العام الماضي ليشمل «اليهود» استجابة لدعوة سمو أمير قطر في المؤتمر الثاني.
اللافت للنظر في هذا المؤتمر، أمران: الأول انه خلافاً للمؤتمر الثالث السابق، لم تحصل مقاطعات واحتجاجات بسبب مشاركة اليهود كما حصل العام الماضي، قادها علماء دين.
الثاني ان هذا المؤتمر شهد مشاركة واسعة لليهود ـ حاخامات ومفكرين واكاديميين ـ وبحسب تصريح د. عائشة المناعي عميدة الكلية ورئيسة اللجنة المنظمة، فقد ارتفع عدد المشاركين من (80) شخصية العام الماضي، إلى (140) شخصية هذا العام، جاءوا من مختلف دول العالم وتحاوروا حواراً ثرياً وساخناً على امتداد (7) جلسات وخرجوا بجملة توصيات، أسموها «مشروع البيان الختامي».
أبرزها العمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة وتنقية الكتب الدراسية والاعمال الدرامية بهدف إزالة سوء الفهم المتبادل، وتأكيد براءة الأديان من أعمال الإرهاب وقتل المدنيين وترويع الآمنين، وبذل الجهد لنقل الروح الايجابية للأديان للقواعد الجماهيرية، وتأكيد المساواة الكاملة للمرأة بالرجل.
وتشكيل لجنة متابعة لتفعيل توصيات المؤتمر وترجمتها على ارض الواقع، والعمل على وضع تصور تنفيذي لتأسيس مركز دائم لحوار الأديان في الدوحة، ولعل هذه التوصية تأتي استجابة لتساؤلات مطروحة: ما جدوى هذه المؤتمرات؟! وماذا حققت، وماذا بعد التوصيات؟ هذه التساؤلات تنقلنا إلى سؤال محوري:
لماذا مؤتمرات حوار الأديان؟ هناك من يرى عدم جدوى حوار الأديان ـ أصلاً ـ لان الحوار انما يكون بين الثقافات فحسب، وأتصور ان حوار الأديان يكون مجدياً ونافعاً إذا فهمنا أنه حوار بين أتباع الديانات المختلفة بحسبهم يحملون تصورات ومفاهيم ورؤى، هي في النهاية، انعكاسات لمعتقداتهم الدينية في اطار سياسي واجتماعي معينين.
في تصوري أن هذا التساؤل مهم لتوضيح أمور ملتبسة على بعض من يأتون لهذه المؤتمرات، هناك من يأتي ظناً ان الهدف هو افحام الخصم والانتصار عليه عبر بيان مثالب دينه، وهناك من يأتي من منطلق رد الشبهات والدفاع عن الدين في مواجهة الخصم ولذلك فهو يجاهد باستماتة في نفي أي خطأ أو تجاوز أو قصور عنده في فهمه لدينه.
وهناك من يعتقد ان الهدف اقناع الخصم الديني بصحة الدين الذي يعتنقه، وانه الحق والآخر على بطلان، وآخرون يأتون بهدف جر «المؤتمر» لساحة المعترك السياسي وتوظيفه للهجوم على أميركا والغرب وتحميل «إسرائيل» وزر الأوضاع العربية المحبطة، ولذلك يحاولون عبر المداخلات الساخنة إحراج اليهود المشاركين لاتخاذ موقف من سياسات بلادهم.
أتصور ان «حوار الأديان» لا علاقة له بتلك الاغراض والتصورات، وأرى ان المطلوب من مؤتمرات حوار الأديان وغيرها من الحوارات بين المذاهب تحقيق الأهداف الرئيسية الآتية:
ـ تحقيق فهم أفضل لذاتنا وللآخر المختلف معنا، هناك صورة نمطية سلبية لدى كل طرف تجاه الآخر الديني أو المذهبي، وهي ناتجة عن عاملين، الأول هو طريقة فهمنا لديننا ولدين الآخر أو مذهبه، وتتحكم فيها عوامل التكوين النفسي والموروث الثقافي والمنهج التعليمي والخطاب الديني والسياسي والإعلامي.
والثاني ركام ثقيل تأسس على (سوء الفهم) من جهة و(إساءة الظن) من جهة أخرى، وغذتهما سياسات عدوانية ومطامع ومنابر دينية وإعلامية محرضة، ولكن عبر اللقاء المباشر يمكن تصحيح تلك الصورة المشوهة بالاطلاع على حقيقة الرؤى والتصورات والمفاهيم لدى كل طرف تجاه الآخر.
2ـ تحقيق التعايش المشترك، وذلك بالاتفاق على صيغة تحترم الاختلاف الديني والمذهبي، وتضمن حرية المعتقد والعبادة وتمنع الإساءة إليها وتقر بحق كل معتقد ومذهب بدار للعبادة وممارسة الشعائر.
3ـ تحقيق المصالح المشتركة، عبر تعزيز المشترك الديني والأخلاقي والإنساني (الإيمان بالخالق، العمل الصالح، حقوق الإنسان، المساواة، الحرية، العدالة) ثم التعاون في المصالح المتبادلة ومحاربة التعصب والتطرف باعتبارهما عدوين للإنسانية جمعاء، وأيضا، يلزم التحقيق تلك المصالح المشتركة عدم تمكين اصحاب المنهج التصادمي الذين يوظفون الدين والمذهب في تغذية العداوات والكراهية من المنابر الدينية والإعلامية.
إذ لا يمكن خدمة تلك المصالح النافعة، إلا بالتركيز على الايجابيات المتحققة وإضاءة أوجه الشراكة بين الأديان والثقافات والحضارات لا النفخ في مقولات «الغزو الثقافي» و«المؤامرة العالمية» و«الحقد الصليبي» و«الجهاد الابدي»، لا نجاح للحوار الديني ما بقي الخطاب الديني والإعلامي محرضاً على الكراهية ضد الآخر الديني أو المذهبي.
وما بقيت ثقافة «فجر نفسك وادخل الجنة» سائدة في الساحة وأصحابها ممكنون من المنابر، لا يساءلون ولا يحاكمون، ولا يمكن تحقيق أي جدوى من الحوار الديني والمذهبي مادام الخطاب الاتهامي سيفاً مسلطاً على الرقاب.
4ـ تحقيق عملية النقد الذاتي، بأن يتحلى كل طرف بشجاعة الاعتراف بأخطائه تجاه الآخر، ومن ثم يسعى مخلصاً لتصحيح تلك الأخطاء عبر النقد الذاتي وعملية المراجعة المستمرة لخطابه الديني والتعليمي والثقافي والإعلامي بهدف التعرف على حقيقة الذات وحقيقة صورة الآخر لديه.
لا ان يبرر ويسوغ أخطاءه ويرميها على الآخر ويحمله مسؤوليتها كما هو السائد ـ حاليا ـ أو يبادله اتهاماً باتهام كما هو المتبع في الحوارات وبخاصة في الفضائيات.
5ـ حسن تنظيم وإدارة الاختلاف، خلق الله البشر مختلفين إلى يوم القيامة، واليه مرجعهم فيحكم بينهم بالعدل، فلا وصاية ولا استعلاء ولا سلطة دينية لأحد على أحد، والله يقول لرسوله (لست عليهم بمسيطر) و(ليس عليك هداهم).
وهذا يقتضي معرفة حجم الاختلاف ومن ثم حسن إدارته دون ان نتخاصم ويتهم بعضنا بعضاً، علينا ان نتدرب على ذلك ونلتزم بآداب الحوار وضوابطه الأخلاقية متمثلة في (احترام الآخر، عدم سوء الظن به، حق ابداء رأيه، عدم فرض الرأي عليه، عدم تجريحه أو تأثيمه).
وختاماً، الأديان كلها ترجع إلى حقيقة واحدة، وكل منها يحمل جانباً من الحقيقة، وجنة الله تسعنا جميعاً إذا التزمنا بثلاثة شروط محددة في الآية (ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين، من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
كاتب قطري