ربما يكون هناك قاسم مشترك فكلاهما يتعاملان مع المعلومة السياسية. لكن مصير المعلومة لدى كل منهما يمثل فارقا جوهريا. فبينما يتخذ المحلل الصحافي المعلومة كمحور لقراءة تحليلية يكتفي بنشرها على الجمهور، فإن المعلومة لدى رجل السلطة تشكل أساساً لاتخاذ قرار في إطار التسيير اليومي للجهاز السلطوي.
تأسيساً على هذه المقدمة نتساءل: هل يرى الزعيم الفلسطيني محمود عباس نفسه محللاً صحافياً يكتفي ببراعة التحليل عوضاً عن رئيس سلطة يتخذ قرارات؟
بأسلوب موضوعي ودقيق يحلل الرئيس الفلسطيني الخطة الإسرائيلية الأحادية التي يجري تنفيذها على الأرض لتشكيل «الحل النهائي» عملياً فيقول إن إسرائيل تحاول من خلال هذه الخطة «فرض تصورها وخريطتها التوسعية بإقامة جدار الفصل العنصري وتهويد القدس ومصادرة الأراضي الفلسطينية، مما سيؤدي عملياً إلى ضم أكثر من 58 في المئة من مساحة الضفة الغربية لإسرائيل».
ويضيف إن إسرائيل تسعى من خلال الخطة وإجراءات تنفيذها الأحادية إلى «الاستيلاء على المياه الجوفية الفلسطينية وتحويل أراضينا إلى كانتونات معزولة».
ما الخلاصة النهائية؟
الخلاصة كما يقول الرئيس عباس «هي القضاء على أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة».
هذا الاستخلاص الموضوعي يمكن أن يصل إليه أي محلل صحافي يتابع الأحداث بصورة يومية. وبينما ليس المطلوب من المحلل الصحافي سوى صياغة تحليله واستخلاصه على هيئة مقالة وينتهي الأمر عنده بنشر المقالة فإن رئيس السلطة الفلسطينية مطالب ـ لأنه رئيس سلطة ـ باتخاذ قرار حيال الوضع الماثل أمامه.. خاصة أنه في مشهد متحرك لا يحتمل أي تباطؤ على الصعيد الفلسطيني كما يحذر الرئيس عباس نفسه.
عوضاً عن اتخاذ قرار، عمد الرئيس الفلسطيني إلى استنباط استخلاص من الاستخلاص. فقد «اقترح» عقد مؤتمر دولي لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن طريق التفاوض.
ولأنه اقتراح نظري وليس قراراً سلطوياً مبنياً على عنصر قوة ـ مادية كانت أم معنوية ـ فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه على الفور.
ولا ينبغي أن يكون الرفض الإسرائيلي للتفاوض مصدر دهشة للرئيس عباس. فما الذي يغري إسرائيل أو يضطرها إلى الدخول في عملية تفاوضية، بينما هي تواصل بناء الجدار وتهويد القدس وخلق الكانتونات في وجه سلطة فلسطينية لا هاجس لها سوى كبح جماح «حماس» وحكومتها وقمع المقاومة الوطنية؟
غاية ما توصل إليه الرئيس الفلسطيني هو تبني «دبلوماسية السفر». من حين لآخر، يتنقل بطائرته الخاصة بين عواصم عربية وغربية في زيارات رسمية إلى رؤساء الدول، تبدأ بالتقاط صورة تعكس ابتسامة بروتوكولية وتنتهي بنداء من الرئيس الفلسطيني إلى «المجتمع الدولي» لكي «يتحرك بسرعة».
وفي هذه الأثناء تواصل إسرائيل إجراءات ضم أرض الضفة الغربية في صمت إلى أن يحين وقت الجولة الفلسطينية التالية إلى العواصم العربية والغربية.