«زيارة دولة» كما يصفها الصينيون أم «زيارة عمل» كما تصف واشنطن زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو إلى الولايات المتحدة. الاختلاف يتخطى موجبات وشكليات التعامل البروتوكولي ليعكس نظرة كل طرف إلى الطرف الآخر في اللحظة الراهنة.
واشنطن تريد أن تبقي مسافة معينة مع الصين الشعبية كرسالة حول البرودة التي تعصف بالعلاقات والتي يرتبط اعطاؤها بعض الحرارة بتغيير في السياسات الصينية في ملفات تتراوح بين التجارة والملف النووي الإيراني والنفط، ومسائل أخرى تعتبر واشنطن أن بكين تتبع فيها سياسات تقوم على المشاكسة أو الممانعة تجاه القوة الفائقة الأميركية.
وللتذكير فإن وزارة الدفاع الأميركية تصف الصين الشعبية في أدبياتها بالخصم المحتمل وليس بالشريك الاستراتيجي،المفهوم الذي يبحث الصينيون على تكريسه. بكين من جهتها تريد التشديد على الحفاظ على مكانتها مع حقها بالاختلاف مع واشنطن في الوقت ذاته.
وتريد أن تنتزع اعتراف واشنطن وقبولها بذلك في أول زيارة رئاسية يقوم بها جينتاو إلى العاصمة الأميركية، وللتذكير فالرئيس جينتاو هو أيضاً أمين عام الحزب الشيوعي ورئيس اللجنة العسكرية في الحزب.
واشنطن المنشغلة بحربها ضد الارهاب وبكين المنشغلة بالبحث عن الاستثمارات والأسواق ترتبطان بدرجة عالية من علاقات الاعتماد المتبادل ولو أن العجز التجاري الأميركي مع الصين بلغ حدود 202 مليار دولار عام 2005 رغم أن الصين حاولت أن تهيئ لزيارة رئيسها لواشنطن.
ولتنفيس الاحتقان الحاصل حول الملف التجاري من خلال «هدايا» استباقية قامت على توقيع عقود تجارية مع الولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة تتضمن شراء طائرات مدنية بلغت قيمتها 16 مليار دولار، من منظور بكين يبقى الاقتصاد عنوانا أساسيا لهذه العلاقات في هذه المرحلة فالزيارة بدأت بمدينة سياتل.
وكان عنوانها اقتصاديا بامتياز في الطريق إلى واشنطن حيث الزيارة السياسية وحيث كان رؤساء الشركات الأميركية الكبرى هم الضيوف الأساسيون في حفل الغذاء الذي أقامه الرئيس الأميركي تكريما لضيفه.
في ظل تبادل الاتهامات: اتهام بكين لواشنطن بالأحادية ومحاولات التفرد في لعبة الجغرافيا الاستراتيجية واتهام واشنطن لبكين بأقصى درجات المركنتيلية في لعبة الجغرافيا الاقتصادية تبقى مصادر القلق والانشغال من الآخر عديدة في اللعبتين المتداخلتين:
ـ الصين منشغلة بالحرارة الزائدة في العلاقة الهندية الأميركية خاصة بعد الاتفاق النووي الأخير بين الطرفين وما يمثله من مؤشر على المستوى التي وصلت إليه العلاقات الاستراتيجية بينهما.
ـ الصين أيضاً قلقة من انتشار القواعد الأميركية في آسيا التي تهدف إلى احتواء نفوذها في المنطقة ومن سياسة «التبشير» بالديمقراطية التي تعتبرها الصين العنوان التبريري للتدخل الأميركي.
ـ الصين أيضاً قلقة من غياب مرونة أميركية غير كافية حتى الآن في الملف الكوري الشمالي، تشكل عراقيل في دبلوماسية مجموعة الست لتسوية هذه الأزمة.
واشنطن بدورها قلقة من الدبلوماسية النفطية الصينية. فالصين التي احتلت الموقع الثاني في العالم كمستهلك للنفط بعد الولايات المتحدة ومتقدمة بذلك على اليابان، والصين ذات نسبة النمو في الناتج الداخلي العام في حدود 10% .
في حاجة إلى زيادة نسبة استهلاكها للطاقة إلى 150% عام 2020، هذه الصين تقيم علاقات تعاون وثيقة مع دول نفطية عديدة في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية يجمع بينها خصومتها الشديدة مع واشنطن وتوفر لها الصين من المنظور الأميركي الحماية الدبلوماسية.
واشنطن أيضاً قلقة من الورقة الصينية الأساسية في لعبة المواجهة مع إيران رغم أن هناك حدودا لمدى ذهاب الصين في دعم الموقف الإيراني خاصة في الملف النووي في ظل الاهتمام المتزايد للصين بالعلاقات مع الدول الخليجية بشكل خاص مما يدفعها إلى محاولة احادث بعض التوازن في سياستها الخارجية في الخليج.
ـ واشنطن أيضاً قلقة من تبلور محور استراتيجي بين بكين وموسكو يدل عليه حجم التعاون القائم والمتزايد بينهما في ملفات عديدة من التسليح الروسي للصين وقضية أمن الطاقة والتعاون والتنسيق الدبلوماسي بينهما في مجلس الأمن.
هذه بعض مصادر القلق تجاه الآخر من العلاقة بين الطرفين. يبقى أن الولايات المتحدة كقوة فائقة تعيش بداية تآكل هذا الدور والصين الشعبية كقوة عظمى اقتصادية بحاجة إلى الانخراط المستمر والمتطور في مزيد من الاقتصاد المعولم.
وبالتالي بحاجة لعلاقات انفراج وتعاون دولية وتتطلع في مرحلة ثانية إلى توظيف قوتها الاقتصادية في بناء نفوذ سياسي على مستوى محيطها الاقليمي المباشر وتعظيم أوراقها على المستوى الدولي.
كل طرف يحاول حالياً أن يستكشف فرص وقيود واتجاهات وسلوكيات الطرف الآخر تجاهه. فهل تتجه هذه العلاقات بينهما إلى الخصومة المنظمة أم إلى نوع من الشراكة الاستراتيجية. هذا هو السؤال الأساسي عند البحث في مستقبل بنية النظام العالمي الذي يتشكل في مطلع هذا القرن.