تقرير «وكالة الطاقة الدولية»، إلى مجلس الأمن، حول النووي الإيراني، أثار زوبعة من الردود والخلافات. فهو ذكر ان طهران رفضت الاستجابة لطلب المجلس، بوجوب وقف تخصيب اليورانيوم، خلال فترة شهر انتهت 28 الجاري.
إيران واصلت التخصيب مع توكيدها على اعتزامها الاستمرار به، وعدم وجود نية لديها لوقفه. بل هي هددت بأنها لن تكون ملزمة بتنفيذ أي قرار يتخذه المجلس لأنها ترى ان مثل ذلك ليس من صلاحياته! وبذلك يكون هذا الملف قد دخل في طور جديد، مفتوحة احتمالاته على أكثر من وجهة ومصير.
وفي طليعة هذه الاحتمالات، استصدار قرار جديد من مجلس الأمن.
الصراع الآن يدور حول طبيعة وإلزامية هذا القرار. هل يكون تحت «الفصل السابع» من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يمهد لاستخدام القوة لفرض التنفيذ؟ هل يكون بمثابة إنذار حازم النبرة؟ هل يتضمن عقوبات؟
الاحتمالات المتداولة متعددة. الشد والجذب حولها ساخن، ومن المتوقع ان يستغرق ذلك عدة أيام، اذا لم يكن أسابيع. أقل ما يمكن عمله، خلال المدة الفاصلة هذه، بل أقل ما يتوجب عمله، هو تلطيف الأجواء، من خلال الابتعاد المتبادل عن لغة التحدي، ومحاصرة النار لا صب الزيت فوقها.
ففي مثل هذه الملفات وفي ظل المناخات السائدة، التصعيد ينطوي على خطر الخطأ في الحسابات أو على خطر التورط في مواقف، يصير من الصعب التراجع عنها، فالفرصة لم تفت بعد للاستدراك والعودة الى دائرة التسوية، التي تلبي كافة المصالح.
خاصة وان قوى دولية كبيرة، مثل روسيا والصين وألمانيا، بادرت الى التشديد على وجوب مواصلة المساعي الدبلوماسية. بل الى التأكيد بأن امكانية بلوغ صيغة وفاقية، مازالت قائمة.
الحكمة تقضي بدعم واحتضان مثل هذه الأصوات وتزخيمها، عن طريق التهدئة ووقف عملية التراشق بذخيرة التهديد. ان خطاب التأزيم في مثل هذه الحالات، له محاذير كثيرة. ليس أقلها خطر انفلات الأمور من تحت السيطرة. البديل المطلوب، خطاب تكون ذخيرته من معدن التطمين وبلغة مراعاة الحقوق والمصالح والتمسك بقواسمها المشتركة.
خطاب التلويح بالخيار العسكري، لا يؤدي سوى الى التسخين والتصعيد المضاد. كما ان خطاب التهديد بضرب المصالح وغير ذلك من المفردات النارية، لا يقرب بين المواقف على العكس، يزيد من توسيع الفجوة.
فالردود التي صدرت من الخندقين الإيراني والغربي ـ وبالتحديد الأميركي ـ تصب في طاحونة التوتير، وبالتالي التعقيد والتخريب على المحاولات الجارية للعثور على مخرج متوازن.
ترى فيه الأطراف جميعاً، حلاً مقبولاً يحفظ «حق إيران» بالتكنولوجيا النووية ويحتوي في الوقت ذاته على صمامات أمان، تزيل المخاوف من احتمال الجنوح بهذه التكنولوجيا نحو التصنيع العسكري. ومثل هذه المعادلة متوفرة عناصرها، حسب العالمين والضالعين في هذا الموضوع. وبالتحديد دول كبرى، نووية وغير نووية.
الفرصة السانحة الممتدة بين التقرير والقرار المرتقب من مجلس الأمن، لا يجوز اضاعتها، من غير اخراج هذا الملف من نفق التصعيد الذي انحشر فيه. وتركه يتفاعل، مجازفة محكومة بالتعنيف المفضي الى مواجهة ما، ليس من مصلحة أي طرف ولا من مصلحة المنطقة والعالم بلوغها.