المبدأ القانوني الأزلي يقول «المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته».
لكن جورج بوش يرى في ما يبدو أن المتهم مُدان حتى لو ثبتت براءته.. بل وأن هذا «المبدأ» ينطبق حتى على المشتبه فيهم، وإلا فكيف يسمح رئيس الولايات المتحدة لنفسه بإصدار «أمر تنفيذي» يقضي بتجميد أرصدة كل من يشتبه في أن له علاقة باغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.
إنه قرار سياسي مئة في المئة لا علاقة له إطلاقاً بالقانون. ومن الواضح أن هذا الهجوم السياسي يستهدف شخصيات سورية رسمية وشخصيات لبنانية تُصنَّف بأنها موالية لدمشق.
وبالإضافة إلى أن الطبيعة السياسية للقرار الأميركي مفضوحة، فإن هناك دليلاً آخر. فالقرار يتزامن مع إعلان للسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة بأن واشنطن تعتزم استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بخصوص ما تصفه باستمرار التدخل السوري في لبنان. والتوقيت في الحالتين ذو دلالة عميقة.. فهو يصادف حلول الذكرى الأولى للانسحاب العسكري السوري من الأراضي اللبنانية.
وفي حين انه توقيت مقصود فإن هناك تزامناً آخر ما كان للرئيس الأميركي أن يعرفه سلفاً لأنه وليد مصادفة. فعلى خلفية التنديد الأميركي بسوريا في البيت الأبيض وأروقة الأمم المتحدة جاءت الأخبار بتقرير مثير وخطير عن صدور كتاب لصحافي ألماني يعلن أن إسرائيل والولايات المتحدة ربما تكونان متورطتين في حادثة اغتيال الحريري.
لماذا شاءت لجنة التحقيق الدولية سواء في عهد رئيسها السابق أو رئيسها الحالي أن تركز فقط على سوريا وتتجاهل تماماً فرضية أخرى باحتمال تورط إسرائيل في الجريمة؟
هكذا يتساءل المؤلف الألماني يورغن كولبيل في كتابه الذي اختار له عنوان «ملف اغتيال الحريري: دلائل تم التكتم عليها في لبنان».
ويعرض المؤلف حيثيات خطيرة من أبرزها:
إن أبرز الشهود الذين أدلوا بشهادات تتحدث عن «تورُّط أجهزة الاستخبارات السورية أصبحوا بين يوم وليلة مليونيرات مما يعني أنهم تلقوا مكافآت بملايين الدولارات من مصادر إسرائيلية أو أميركية».
أن اسم رفيق الحريري كان حتى مقتله وارداً على قائمة أشخاص تجب تصفيتهم جسدياً في موقع على الانترنت لهيئة لبنانية على علاقة بمجموعة «المحافظين الجدد» الموالين للحركة الصهيونية في واشنطن.. وهذه الهيئة تطلق على نفسها «لجنة الولايات المتحدة لتحرير لبنان».
إن الحريري كان يعارض مشروعاً لبناء قاعدة عسكرية أميركية كبيرة في شمال لبنان.
إن جهاز التشويش الذي كانت سيارات موكب الحريري مزوَّدة به والذي يستطيع منع تفجير قنابل عن بُعد عجز تماماً عن أداء دوره.. علماً بأن الجهة الوحيدة التي يمكنها تعطيل هذا النظام هي الشركة المنتجة.. وهي شركة إسرائيلية أصحابها عناصر سابقون في جهاز الموساد الإسرائيلي.
هذه الحيثيات قد تصمد في وجه تحقيق دقيق، وقد لا تصمد، وقد يصمد بعضها ولا يصمد البعض الآخر، لكن يبقى التساؤل المريب: لماذا تحصر لجنة التحقيق الدولية تحرياتها في فرضية واحدة فقط ـ سوريا ـ وتتعمَّد تجاهل فرضية إسرائيل؟
ثم لماذا يتحامل الرئيس الأميركي على دمشق قبل أن تفرغ لجنة التحقيق من مهمتها؟