جاءت التفجيرات الدموية التي وقعت في مدينة دهب المصرية في يوم الاحتفال بعيد الربيع، وعشية ذكرى تحرير سيناء لتلقي بظلال من الشك على مسيرة الإصلاح السياسي، وبعد أن حاول البعض الربط بين تلك التفجيرات وتلكؤ الحكومة في الإيفاء بوعود الإصلاح المعلنة.

اليوم الحكومة المصرية وربما تحت ضغوط، سواء ما وقع في دهب أو ما سبقها من أحداث الفتنة الطائفية في الإسكندرية، وغضب القضاة والجماعات المنادية بالإصلاح، تجد نفسها أمام طريقين لا ثالث لهما.

أولهما تشديد القبضة الأمنية والتضييق على الأصوات المطالبة بالتغيير، الثاني المضي قدما وبخطوات أوسع في اتجاه فتح المزيد من صنابير الحرية، وتلبية دعوات التغيير بما يسهم في امتصاص حالة الاحتقان السياسي الآخذة في التصاعد.

الطريق الأول نتيجته معروفة ولا يصب في المصلحة العامة على المدى البعيد وان أنتج حلولا فورية في السيطرة وإعادة الاستقرار الشكلي في المدى القريب، فالقبضة الأمنية وحدها لا تداوى جروحا بقدر ما تزيد من تفاقم حالة المريض.

فيما ستلعب أجندة الإصلاح السياسي على احتواء حالة الغضب العام التي عبرت عنها القوى السياسية والجماعات المطالبة بالتغيير في أكثر من مناسبة، وبما يعيد لملمة اللحمة الوطنية وهي الضمانة الأكيدة في درء الأخطار على اختلافها.

طريق الإصلاح ربما تتأخر نتائجه في الظهور على المستوى القريب غير أنه الأوفر حظا في النجاح، والأنجع في مواجهة التحديات التي باتت تتعقد وتتشعب يوما وراء الآخر، إذا كنا نبحث حقا عن المستقبل، ونؤمن بأن مسيرة التغيير هدف استراتيجي وليس مجرد وعود تكتيكية تواكب الحملات الانتخابية، وسرعان ما تذروها الريح بعد أن يحصل صاحبها على مبتغاه.

لقد شهد دولاب الدولة المصرية في السنوات الأخيرة حالة من الترهل، التي تستدعي الإسراع بعمليات الإصلاح السياسي ووضعها على رأس جدول الأولويات، وليس التباطؤ في تنفيذها، إذا كنا جادين في الالتحام مع التحديات المطروحة داخليا وخارجيا.

وان تتحول الشعارات المرفوعة إلى واقع ملموس، يتجاوز حاجز المراوغة، ونصر كسب الوقت، لان هذا الوقت ليس في صالح أحد، سواء من يتشبث بما هو قائم أو غلاة الدعوة إلى التغيير، عندما يستيقظ الجميع على المجهول وأشياء لم تكن في الحسبان.

ما يحدث في مصر من أزمات متلاحقة، يتجلى معها سوء إدارة كل أزمة على حده، يجعلنا نتحسب لما هو آت، خشية وقوع الفأس في الرأس كما يقول المثل الدارج، وبالتالي فان تعزيز مسيرة الإصلاح في شتى المجالات، أصبح مطلبا ملحا لا يحتاج أي تأجيل أو تفريط لان الأمر يتجاوز في حدوده مصلحة أفراد أو جماعات بعينها، إلى الوطن ككل.

تفجيرات سيناء، ومن دون غض النظر عن اتهام بالتقصير هنا أو هناك، أجراس خطر يجب الإسراع في تدارك تداعياتها، والعمل على اقتلاع أضرارها عند الجذور.

ونحن هنا لا نتحدث عن الجوانب الأمنية، التي أعلن البعض أنها كانت سببا ونتيجة في الاعتداءات الأخيرة التي لا تزال التحقيقات جارية لكشف ملابساتها، لكن ما نعنيه هو معالجة أوسع واشمل تتضافر فيها الجهود السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية، بما يصب في خانة تدعيم الأسوار الواقية الكفيلة بمنع الأخطار والصمود في وجهها.

إذن ما وقع من أحداث في الشهور الأخيرة على الأقل يدعونا إلى ضرورة الإسراع بمسيرة الإصلاح السياسي، وفك الاحتقان الذي تتجمع سحبه الداكنة يوما وراء الآخر، وألا تدفعنا ضغوط أنية إلى الارتداد إلى الخلف، بذريعة التعامل مع ما هو قائم أولا ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن الإصلاح، رغم أن نداء التغيير لا يحتمل التأجيل.