يخطيء العرب إن لم يخرجوا سريعاً من حالة الترقّب والقلق والحيطة والحذر تجاه العلاقة مع إيران.ويخطئ المصريون إن لم يحسموا أمرهم سريعاً في مسألة إعادة وصل ما انقطع مع إيران.
ويخطئ الإيرانيون أكثر إن لم يخرجوا سريعاً من حالة التقاعس والاسترسال اللامفهوم تجاه ما يجري من مخطط خطير «للعرب والعجم» انطلاقاً من العراق.
أعرف أن العرب غير مسؤولين مباشرة عما يُحضر لإيران من مخطط حصار وصولاً إلى محاولة نزع القوة ، فإسقاط آخر جيوب المقاومة لمشروع الشرق الأوسط الكبير، و إنهم سيقولون وما بالنا فاعلون في أمر لسنا طرفاً فيه إذ لم يستشرنا أحد فيه!
وأعرف أن المصريين سيقولون إننا لم نكن نحن الذين قطعنا العلاقة مع طهران، وأنه لا تزال ثمة ملفات عالقة وما شابه ذلك!
وأعرف أن الإيرانيين سيقولون بكل «براءة» ما ذنبنا نحن تجاه ما حصل للعراق بعد أن أوصلته قيادته الحمقاء البائدة إلى ما هو عليه اليوم، من خراب وفتنة ودمار!
لكن ما أعرفه أيضاً بأنه ليس من بيننا من هو في موقف «المستشرف» مما يجري ويُعد للمنطقة برمتها، كما أن المسألة لم تعد مسألة مبادئ وقيم ومواقف عامة، يحق لنا أن نتفق أو نختلف بشأنها، فالأحداث والوقائع بدأت تدفعنا أكثر فأكثر نحو دائرة الخطر المباشر والنار المحرقة.
وبالتالي فإن الأمر لم يعد يحتمل الموقف النظري المجرد الذي يقول بأن اجتهادي يتباين مع اجتهاد جاري، فإذا ما تم مهاجمة إيران فإن النار ستحرق الجميع ولن يسلم منها أحد، وإذا ما استمر العراق على ما هو عليه فإن فتنة التفتيت والتصدّع للأقطار والأوطان ستنطلق بكل اتجاه ودون رادع.
مطلوب من العرب أن يقدموا مجتمعين على مكاشفة صريحة مع المجتمع الدولي، ومع إيران تحسم نهائياً اللغط المتعمّد والمقصود الذي تبثه إسرائيل والولايات المتحدة حول النووي الإيراني من خلال اتهامه بالعسكرة دون دليل.
وحتى تكتمل العدة لمواجهة الاحتمالات كافة لا بد من قرار شجاع وجريء باتجاه عودة العلاقات المصرية الإيرانية أياً تكن الملفات المعلقة أو المشتبه بها.
ولا بد أخيراً لإيران أن ( ترفع الغطاء) وبشكل واضح لا لبس فيه عن كل من يمارس عملياً دور المعين أو المساند أو الدليل لاستمرار الاحتلال الأميركي للعراق، أو تراوده غيرته الحزبية أو الفئوية أو الطائفية للانزلاق النهائي في مخطط تقسيم العراق .
أو إدخاله في متاهات تكرس المحاصصات العرقية والطائفية بحجة أو ذريعة رد المظالم أو الانتصار للمظلومية التاريخية لهذه الفئة أو تلك. فالعدالة والموقف السليم والتاريخي الثاقب يتطلب اليوم إعادة لم عقد «المسبحة» المنفرط.
ووقف لعبة الدومينو العرقية والطائفية التي لن تستثني أحداً إذا ما بقي «العرب والعجم» على الحال الذي هم فيه: «كل حزب بما لديهم فرحون»!
من جانبهم أيضاً فإن علماء الدين والنخب الفكرية في العالمين العربي والإسلامي يتحملون مسؤولية خطيرة وجادة لا تقبل التأمل والتردد في الدعوة الواضحة والحازمة والنهائية إلى ضرورة وقف مسار التكفير والتكفير المضاد والتشكيك في تدّين أو ولاء المواطنين في عصر لم يعد فيه مقبولاً أن يتقاتل أبناء الدين أو أبناء المذهب الواحد، أو أبناء القوم الواحد .
فيما تمضي البشرية قدماً نحو عالمية إنسانية تؤكد يوماً بعد يوم صحة ما ذهب إليه ديننا الإسلامي الحنيف بأن جوهر الدين واحد وأن الدين كله لله، وأن طرق الوصول إليه بعدد أنفاس الخلائق.
العلماء والحكماء مطالبون أيضاً بالاعتراف الكامل للمواطنين بمواطنتهم كما هم لا كما تتطلبه معايير الولاء لشخصانية الحاكم وفرديته،و الاعتراف بمواطنية المواطنين جميعاً مسلمين ومسيحيين، سُنّة وشيعة ويزيديين وإباضية وكاثوليك وأرثوذوكس وبروتستانت وعرباً وغير عرب، بل وحتى غير المؤمنين، أليس الله هو صاحب الأرزاق ومالك الرقاب والأعناق، أم نحن؟!
في القاهرة كما في طهران كما في المنامة، كما في الرياض، كما في اسطنبول أو جاكرتا أو الدار البيضاء، ثمة إجماع في صفوف المواطنين بات ملموساً وملحاً مفاده أن أوقفوا مسلسل التقاتل الداخلي والتكفير والتكفير المضاد، وفكروا ولو لمرة واحدة كيف سيكون وجه العالم.
فيما لو قرر صُناع القرار في عالمنا العربي والإسلامي التخلي عن فئوياتهم وحزبياتهم لصالح المصلحة العليا للأمة. الاختلاف سنة كونية وتضارب المصالح وتنوعها لا يعني القطيعة مطلقاً، بل أن السنن الكونية قائمة أصلاً على التنوع والاختلاف، ولم يكن الاختلاف يوماً معناه التضاد أو التنازع أو استئصال الآخر.
ثم إن ما نعيشه من أحداث ووقائع مأساوية خطيرة في فلسطين والعراق والسودان وما يحيط ببقية الأقطار والأمصار العربية والإسلامية يتطلب أكثر من أي وقت مضى إعلاناً صريحاً ونهائياً وحازماً من قبل العلماء بضرورة وقف المنازعات كافة، بين الفرق والطوائف والمذاهب والأديان.
واعتبار الخوض فيها في الوقت الراهن على الأقل عملاً من أعمال الحرام المنهي عنه بشدة، ودعوة صريحة أخرى من الحكام باعتبار المواطنين كافة متساوين في الحقوق والواجبات، ورفع الحيف عملياً وبالقانون النافذ والصريح عمن لحق به مثل هذه المظالم في العهود السابقة.
وأخيراً تأجيل كل الملفات الثنائية أو المتعددة العالقة بين الدول والأقطار العربية والإسلامية حتى إشعار آخر إذا ما أرادت هذه الدول والأمصار البقاء، مجرد البقاء في وقت صار فيه حلم البقاء أقصى ما تتمناه شعوبنا المسكينة والمغلوبة على أمرها والمهددة بالجوع والفقر والجهل وخطر الإبادة بعد كل أشكال انتهاكات الحقوق.
أمين منتدى الحوار العربي ـ الإيراني