لم تكن مصر قد أفاقت بعد من أحداث الإسكندرية التي قامت على خلفية طائفية، حين «فاجأتها» مرة أخرى ضربة الإرهاب القذرة في منتجع «دهب» السياحي. أحداث الإسكندرية لم تكن كبيرة في حد ذاتها، ولكنها اكتسبت خطورتها من حجم ما كشفته من احتقان داخلي له جذوره السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولكن يمكن أن يتم «توظيفه» طائفياً بإثارة مشاعر التعصب الديني واستغلال ما يحدث في العراق وفلسطين وتشجيع أميركا للنموذج الطائفي باعتباره النموذج «الديمقراطي! » الذي بشرتنا به!

من هنا كان انزعاج المصريين جميعاً من أحداث الإسكندرية والتركيز على ضرورة التعامل معها بجدية تتجاوز «تبويس اللحى» بين علماء الأزهر وقساوسة الكنيسة المصرية.

ولا نكتفي بترديد المحفوظات عن الوحدة الوطنية، بل نذهب إلى العمق ومصارحة النفس بأسباب الاحتقان الداخلي، ووسائل تحصين الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات الهائلة في مناخ الأزمة التي تعيشها المنطقة.

في هذه اللحظة بالذات تجيء تفجيرات «طابا» لتفتح الملف كاملا ، وتنقل الشعور بالخطر إلى مرحلة جديدة كان ينبغي ـ للأسف الشديد ـ أن تكون في يقين المجتمع على الدوام. ولولا غياب الرؤية الشاملة في مرحلة يتم فيها إعادة صياغة المنطقة العربية بكاملها، ويريد البعض أن يتم ذلك في ظل غياب كامل للفعل العربي، وانحسار كامل لدور القوى الفاعلة العربية وفي مقدمتها مصر.

و لا أظن أن أحداً يستطيع اليوم أن يواصل ما حدث من قبل مع وقائع مماثلة، من التهوين مما وقع، أو التعامل معه باعتباره عملاً فردياً أو انتقاماً شخصياً أو فعل صبية مخدوعين.. الخ! الأمر هنا واضح لا لبس فيه، والملاحظات الدولية التي تقول الكثير مما ينبغي الوقوف عنده بعناية، والتعامل مه بمنتهى الجدية:

إننا أمام العملية الثالثة من نفس النوع في فترة لا تتجاوز العام ونصف العام.. من تفجيرات طابا، إلى تفجيرات شرم الشيخ، ثم أخيرا «دهب». والتفجيرات الثلاثة حدثت في مناسبات قومية لها دلالاتها.. الأولى في ذكرى السادس من أكتوبر، والثانية في ذكرى ثورة يوليو، وها هي الثالثة تقع في ذكرى تحرير سيناء. ولا أعتقد أن عاقلا واحداً يمكن أن يترك ذلك للمصادفة.

أو يتجاهل الرسالة التي يوجهها «الإرهابيون» إلى مصر والعرب جميعا. والتي تؤكد على العداء لثورة يوليو وللوطنية المصرية والقوة العربية، والثأر من أي انتصار عربي تحقق، والتأكيد على أن المعركة حول «سيناء» لم تصل إلى خاتمتها بخروج العدو الصهيوني منها في مثل هذا اليوم الذي وقعت فيه انفجارات «دهب»!

الملاحظة الأخرى أن التفجير في دهب (كما في طابا وشرم الشيخ) استهدف منطقة سياحية بالغة الأهمية لمصر يقع فيها حوالي ثلث الطاقة الفندقية المصرية. ولا شك أن ضرب السياحة هو هدف حيوي لأي تنظيم إرهابي يستهدف مصر ولمن يقفون وراءه.

ولكن الأمر هنا يتجاوز ذلك. فالمنطقة تحولت إلى مركز سياسي مهم شهد العديد من المؤتمرات واللقاءات المهمة العربية والعالمية. وبعد أيام سيعقد منتدى دافوس اجتماعه في شرم الشيخ، وقبل أسابيع أشارت مصر إلى قمم تشاورية عربية تعقد في نفس المدينة، وبدأ الحديث عن إقامة مقر دائم لهذه اللقاءات ربما تمهيداً لنقل العديد من نشاطات الجامعة العربية إلى هناك.

والملاحظة الثالثة أن تفجيرات دهب ( وقبلها تفجيرات شرم الشيخ وطابا ) كلها وقعت في المنطقة «ج» من سيناء، وهي المنطقة التي تكاد تخلو (بحكم الاتفاقية المصرية الإسرائيلية) من التواجد العسكري المصري الفعال، والتي يتمتع الإسرائيليون ( بحكم الاتفاقية المشؤومة ) بحق الدخول إليها دون تأشيرات دخول مسبقة!

ولقد دعونا مراراً إلى إعادة النظر في هذه الاتفاقية، وأظن أن الموقف الآن (وبغض النظر عن ثبوت دور إسرائيلي في الأحداث أم لا) يستدعي التحرك سريعا في اتجاه تعديل الأوضاع في هذا الموقع، فلم يعد مقبولاً ترك هذه المواقع السياحية شديدة الأهمية دون تأمين فعال للحدود المصرية ـ الإسرائيلية.

ولم يعد مقبولاً أن يحظى الإسرائيليون بمعاملة تفضيلية وهم يرتكبون كل هذه الجرائم في حق العرب، ولا يخفون عداءهم لأي تقدم حقيقي لأي دولة عربية، ولا عقيدتهم الراسخة بأن مصر ستظل ـ في كل الأحوال ـ هي عدوهم الرئيسي!

الملاحظة الرابعة هي انه برغم كل ما ذكرنا، فإن هناك تقصيراً أمنياً بالغا بلا شك. فوقوع ثلاثة تفجيرات إرهابية بهذا الحجم في عام ونصف هو كارثة أمنية ووطنية، ووقوعها جمعيا في مناسبات وطنية وقومية يضاعف المسؤولية على الذين لم يتوقعوا ولم يمنعوا تكرار ما حدث قبل ذلك.

ووقوع الجريمة الأخيرة في«دهب» بالذات يضاعف المسؤولية أكثر وأكثر، حيث أننا أمام مدينة صغيرة يسهل تأمينها، ولا يخفف من ذلك أن عدداً من الضباط والجنود كانوا بين الضحايا، فمسؤولية التأمين تقع قبل ذلك، وتتم قبل أن ينطلق إرهابي لينفذ جريمته.

الملاحظة الخامسة تتصل بالسابقة، فالحرب ضد الإرهاب لا يمكن أن تكون مسؤولية الأمن فقط، بل هي مسؤولية المجتمع كله. وهذا ما حدث في مواجهة الموجة السابقة من الإرهاب في التسعينات من القرن الماضي..

فقد وقفت كل القوى الوطنية ومختلف التيارات السياسية في مواجهة الإرهاب رغم الموقف السلبي من قوى الخارج وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. ونجحت مصر في المعركة واستخلصت العديد من الدروس، وفي مقدمتها ضرورة تجفيف منابع الإرهاب.

وبالفعل تركزت جهود التنمية لحد كبير على صعيد مصر الذي أهمل طويلا. لكن المشكلة أن ذلك لم يتوافق مع جهود ملائمة لتغيير المناخ الثقافي الذي انحاز للتخلف ونشر الخرافة وعادى العلم، كما لم يتوافق مع إصلاح سياسي حقيقي يتيح لعشرات الملايين من الشباب أن يشاركوا في العملية الديمقراطية ويتأكدوا أن التغيير يمكن أن يتم بالطرق السلمية وبالاحتكام للانتخابات الديمقراطية!

وفي ظل غياب السياسة وموت الحياة الحزبية تصبح الحلول الأمنية هي الحل، وتحولت ملفات كان من المفترض أن تبقى في قبضة السياسة إلى أجهزة الأمن..

بدءاً من ملف مشكلات الأقباط إلى الحرب ضد الإرهاب، إلى توترات مرحلة التحول التي تمر بها مصر في ظل ظروف صعبة داخليا وإقليميا ودوليا. وكان طبيعياً أن تحدث الثغرات وتتكرر الأخطاء.

الملاحظة السادسة تتصل بكيفية التعامل مع ما وقع في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها مصر والمنطقة.. وهل يستمر النهج الذي تعاملنا به مع أحداث طابا وشرم الشيخ؟ ، أم أن مصادقة النفس وتحمل المسؤولية يستوجبان انقلابا شاملا في كيفية المواجهة؟

فلم يعد ممكناً الحديث المتكرر عن تنظيمات جديدة صغيرة أو أعمال فردية، فكل الشواهد تؤكد أننا أمام جهة أكبر وأقدر على الرصد والتحضير والتنفيذ، الاختراق الخارجي لا يمكن استبعاده، خاصة وأن ما يدور في المنطقة الآن يقتضي (من وجهة نظر قوى إقليمية دولية) محاصرة الدور الإقليمي لمصر. وإرغامها على الانكفاء على مشكلاتها الداخلية.

و إذا كان الأمر يقتضي مراجعة شاملة للسياسة الأمنية التي سمحت بثغرات قاتلة لتكرار الضربات الإرهابية في نفس المنطقة ثلاث مرات في أقل من عامين، وهي مراجعة تأخرت كثيراً وكلفت مصر الكثير، إلا أن الأمر يظل أبعد من ذلك وأكثر شمولاً فليس المطلوب تشديد الإجراءات الأمنية.

وتكرار ما حدث من اعتقالات في سيناء بعد أحداث طابا وشرم الشيخ أدت إلى نتائج سلبية عديدة، وإنما المطلوب إعادة النظر في كل الأساليب الأمنية التي تم اتباعها في الماضي وإعادة تقييم الموقف وعدم الاكتفاء بنقل مسؤول أو معاقبة آخر.

وإنما التغيير الأساسي في السياسة الأمنية وعدم استبعاد أي عامل داخلي أو خارجي وإعادة تأهيل قوى الأمن للتعامل مع المستجدات، والاعتراف بأننا أمام عدو يملك الكثير من الإمكانيات التي مكنته من استغلال الثغرات الأمنية، وإيصال الرسالة التي يريدها إلينا!

والرد على هذه الرسالة ينبغي أن يكون سياسياً وليس أمنياً، ولابد أن يرتكز على إصرار مصر على أن يكون لها دورها الإقليمي وفاعليتها القومية في هذه المرحلة، ورفض الانصياع للمخططات التي يراد فرضها على المنطقة التي ترتكز على إغراقها في «الفوضى الخلاقة» تمهيداً لتقسيمها على أسس عرقية وطائفية تتركها فريسة سهلة لقوى الهيمنة الخارجية.

ولن تستطيع مصر القيام بذلك إلا إذا قدمت بنفسها النموذج الحقيقي لإصلاح سياسي يقوم على الديمقراطية الشاملة والعدالة الاجتماعية، ويحقق التوافق بين كل فئات المجتمع حول أهداف الحاضر والمستقبل، ويفتح الباب واسعاً أمام مشاركة الجميع في حياة سياسية أساسها المشاركة والمساواة.

ويسد كل الأبواب والنوافذ أمام محاولات اختراق لن تتوقف عن استهداف مصر التي وصفها صانعو سياسة «الشرق الأوسط الكبير» بأنها «الجائزة الكبرى» التي يعني سقوطها سقوط المنطقة كلها في قبضة الهيمنة الدولية، وإنهاء كل أمل في النهوض العربي الحقيقي.

نقيب الصحافيين المصريين