هل تعلن الحرب ويزداد قرع طبولها، أم أن هنالك فسحة للعقل والمنطق والحكمة، تحول دون اندلاع الحرب الرابعة في هذه المنطقة التي كانت عبر ثلاثة قرون من الزمن، ساحة حرب بين قوى عديدة لأسباب شتى، أبرزها المطامع الاقتصادية. فقد كان الخليج العربي حلقة وصل بين أوروبا الصناعية التي فتحت أفواهها الشرهة لالتهام الموارد الأولية المتوافرة في شبه القارة الهندية.

وبذلك تحول هذا الموقع الاستراتيجي المهم ليصبح جزءاً من ساحة الصراع الدولي، وازدادت أهميتها مع التحولات الصناعية والتقدم العلمي في الغرب لتصبح في الوقت الحاضر محط أنظار العالم من جديد، وذلك بسبب التحول من استخدام الفحم إلى استخدام البترول ومشتقاته كمصدر لتوليد الطاقة.

إن أكثر من 65% من احتياطي النفط في العالم يكمن في هذه المنطقة، التي أصبحت ساحة صراع من نوع جديد بين القوى التقليدية، المتمثلة بالغرب الأوروبي، والقوى الجديدة، التي دخلت المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية. كما أن من الضروري الإشارة إلى ظهور قوى أخرى أصبح لها دور فاعل نسبي في الساحة السياسية العالمية مثل روسيا، والصين، والهند، وغيرها من الدول التي ترى في النفط قوة حقيقية للهيمنة على العالم.

كانت هذه المنطقة ـ ولا تزال ـ تدفع ثمن تداعيات صدام استراتيجيات الطاقة المتباينة لدى الدول التي لها مصالح نفطية في هذه المنطقة، فهي تدفع ثمن الصراع الدولي على مدى القرون الثلاثة الماضية. ومن الجدير بالملاحظة بأنه منذ بداية القرن الماضي، شهدت هذه المنطقة صراعاً دولياً، قلّ أن يحدث في التاريخ البشري، إذ في خلال العقود الثلاثة الماضية فقط، كانت المنطقة على موعد مع حروب طاحنة، بين بعض دولها وبين قوى خارجية من مختلف بقاع العالم.

وقد كان من نتائج ذلك تعرض شعوب هذه المنطقة لهزات قوية، ولحالات من القلق، شملت نواحي حياتها المختلفة وتجاوزت ذلك إلى تهديد وجودها وكيانها كدول مستقلة ذات سيادة، على الرغم من أن جميع متطلبات النمو والتنمية متوافرة فيها، بسبب ثراء هذه المنطقة بمصادر الطاقة المتمثلة بالنفط والغاز، إضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز كمدخل إلى منطقة الشرق الأوسط والذي يتوسط العالمين.

ومن ميزات هذه المنطقة، كونها الوحيدة في العالم التي تتعايش فيها مجموعات عديدة من البشر، ذات ثقافات متنوعة من أنحاء مختلفة من العالم، من شرقه وغربه. ولا نجانب الصواب، إذا ذكرنا أن الكثير من أبناء أمم وشعوب مختلفة في العالم تفضل العيش على أرض الخليج، وخاصة في دولة الإمارات.

وذلك لما تتمتع به هذه الدولة من روح التسامح، وما يتمتع به أبناؤها من البساطة ودماثة الطبع اللتين توفرا ميزة حقيقية وأصيلة في ثقافة المجتمع، الذي نشأ على سواحل البحر وتعرف على الآخرين وتقبل ثقافاتهم ووجودهم دون تعصب أو انحياز عرقي أو ديني أو ما شابه ذلك.

إن سيادة الأمن والاستقرار هي من أهم أسباب الازدهار والتقدم في شتى مجالات الحياة الاجتماعية، إذ إن الشعور بالاطمئنان وبزوال كل مسببات الخوف وعدم الاطمئنان هو الذي يضفي أجواء عمل منتج، وهو الذي يساعد على تنفيذ مشاريع التنمية على الأمدين القصير والبعيد.

ومن هنا وبالرغم من مرور منطقة الخليج العربي بثلاثة حروب إقليمية مدمرة، فقد حافظت على تماسكها وعلى استقرارها، وعلى خطط تنميتها، وذلك من خلال قيام قيادات دولها بمحاصرة تداعيات هذه الحروب، بحكمة المحنكين الحريصين على مصالح ومستقبل شعوبهم.

لكن يبدو أن هنالك بعض القوى الإقليمية التي لا تريد الاستمرارية لهذا الاستقرار، تسعى إلى عرقلة التطور الطبيعي في العالم الذي أفرزته ظاهرة العولمة، والذي يؤكد على مبدأ التعايش السلمي بين مختلف الديانات والقوميات والثقافات.

فقد برزت في الآونة الأخيرة ملامح أولية لحرب رابعة قد تكون على الأبواب، وهي حرب من نوع خاص لم تشهدها المنطقة من قبل، بسبب إصرار الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين على تجريد إيران من قدراتها التكنولوجية النووية التي أعلنت عن امتلاكها مؤخراً، والتي قد تتطلب استخدام أسلحة نووية تكتيكية لتنفيذ هذه المهمة.

وتشير السيناريوهات المحتملة إلى أن هنالك بعض التوجهات التي تحاول أن تدخل المنطقة في مرحلة جديدة من الصراعات لا تستطيع الفكاك منها. كإحدى النتائج المتوقعة للضربة العسكرية المحتملة للمواقع النووية الإيرانية، وردود الفعل الانفعالية اليائسة للجانب الإيراني دفاعاً عن النفس والمصالح.

ومن هنا ينبغي التعامل مع هذه الأزمة بعقلانية تراعى فيها مصالح كافة دول المنطقة، لقطع السبل الساعية إلى جرها لساحة الحرب الجديدة التي ليس لأحد من دولها مصلحة في وقوعها.

إن التحليل المنطقي والعقلاني يؤكد على أن المخاوف القديمة، وخاصة ما يتعلق بتصدير الثورة الإسلامية في إيران إلى دول الجوار، لا تستند إلى أسس موضوعية، فاستخدام القوة مبدأ مرفوض من قبل دول المنطقة التي تسعى إلى اعتماد جميع وسائل الدبلوماسية وقنواتها لاحتواء أية قضية مهما كبرت في هذه المنطقة الحساسة من العالم. وتبقى الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في دول المنطقة هي صمام الأمان الحقيقي لضمان الأمن والاستقرار فيها.

وحدة الدراسات والبحوث

malmutawa@albayan.ae