لا يمل وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد من تكرار الإشارة إلى «النجاح الذي تحقق في العراق».
دعك من حقيقة أن العراق انتهى ككيان دولة، وحقيقة أن حصيلة القتلى الأميركيين تناهز الآن ما يقارب 2400 قتيل وانظر في تقرير مراسل «رويترز» عن «سوق الباب الشرقي» في العاصمة بغداد حيث تباع الأزياء العسكرية لأي مشتر وكأنها سلعة عادية.
يقول مراسل رويترز: «لن يكلفك كثيراً لتشكل فرقة إعدام خاصة بك في العراق. فالزي العسكري والأسلحة وحتى سيارات الشرطة متوافرة بسهولة لكل من يغشون هذا السوق».
ويواصل شارحاً: «في مدينة يرتدي فيها رجال العصابات زي الشرطة ويقتلون عشرات الأشخاص ويسرقون عشرات الألوف من الدولارات فإن كل من معه مبلغ متواضع من المال باستطاعته إنشاء فرقته الخاصة به».
ويتحدث المراسل عن 15 متجراً من هذا الطراز الفريد تعرض زي الشرطة العادي بسعر يعادل 15 دولاراً وزي «القوات الخاصة» بسعر 24 دولاراً!
فماذا نقول عن بلد تباع فيه احتياجات العصابات الإجرامية علناً وبأسعار أرخص من سعر الطماطم؟
وإذن فما معنى «النجاح» الذي يتحدث عنه رامسفيلد آناء الليل وأطراف النهار من على شاشات الفضائيات العالمية؟
في أحدث تصريحاته يرد رامسفيلد ضمناً على المنتقدين داخل الولايات المتحدة قائلاً إن الذين يأخذون على الجهود العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان أنها مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً عليهم أن يدركوا أن «النجاح» في العراق و«النجاح» في أفغانستان أساسيان لاحتواء النزاعات المتطرفة التي نلمسها لدى إيران.
لقد أصبح ثابتاً أن وزير الدفاع الأميركي يتفوق على رئيسه في فن الكذب الإعلامي. هكذا يقول الجنرالات المتقاعدون الذين خدموا تحت سلطته.
فالنجاح الذي يتحدث عنه رامسفيلد هو في الحقيقة فشل فاضح. ولذا فإن تصريحاته بشأن العراق وأفغانستان ليست سوى محاولات لاختلاق تبريرات.
خذ هذا في الاعتبار لتدرك أن الإشارة إلى إيران في سياق التصريحات عن العراق وأفغانستان أصبحت مبرراً جديداً من الإدارة الأميركية للإبقاء على وجودها الاحتلالي في البلدين إلى أجل غير مسمى. فالسيد رامسفيلد يعرف أكثر من غيره أن الإدارة الأميركية لا تملك معادلة للخروج بشرف.
في الوقت نفسه نستنتج أن الولايات المتحدة لا تعتزم الأخذ بالخيار العسكري ضد إيران في ما يتعلق بتعامل إدارة بوش مع البرنامج النووي الإيراني. إذ ليس من المعقول أن تقدم الولايات المتحدة على شن حرب على إيران في الوقت نفسه تبقى قواتها متورطة في المستنقعين العراقي والأفغاني.
ثم إن بقاء القوات الاحتلالية الأميركية في كل من العراق وأفغانستان يخدم أجندة رامسفيلد الشخصية الصرفة. فالمعروف عنه أنه وكيل لشركات إنتاج الأسلحة الأميركية الكبرى ـ بوينغ وماكدونيل دوغلاس وجنرال داينامكس ـ وغيرها. ومهمة رامسفيلد في هذا الصدد هي العمل على تطويل أمد الحرب بهدف تمكين شركات السلاح من تحقيق أقصى حد ممكن من الأرباح عن طريق التعاقدات المتجدِّدة دوماً مع الإدارة الأميركية عن طريق وزير الدفاع رامسفيلد.
هذا هو الوجه الخفي للجريمة.
أحمد عمرابي