طرح الرئيس محمود عباس في أوسلو، عاصمة النرويج امس، اقتراحاً محدداً يطالب فيه بعقد مؤتمر دولي، تستأنف من خلاله عملية السلام المجمدة منذ عدة سنوات، ووجه كلامه الى رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة، ايهود اولمرت، معرباً عن استعداده للبدء فوراً في محادثات سلام تختصر الوقت، وتقرب موعد التسوية النهائية للصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، بعيداً عن الاجراءات احادية الجانب، التي تستغل حالة عدم التوازن في القوى بين اسرائيل كدولة تمارس الاحتلال، والفلسطينيين كشعب اعزل واقع تحت عسف الاحتلال.

وليس اختيار اوسلو، من قبل الرئيس عباس، مكاناً للادلاء بهذه التصريحات نوعاً من الصدفة، أو الانتقاء العشوائي: فهذه العاصمة النرويجية هي التي شهدت القناة السرية لمفاوضات السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية اوائل تسعينات القرن الماضي - تلك المفاوضات التي انتهت بالتوصل الى اعلان اوسلو الشهير، الذي وقع في العاصمة الاميركية في الثالث عشر من ايلول عام 1993، في احتفال دولي مشهود، وتحت الرعاية الاميركية المباشرة.

وقد كان للرئيس عباس نفسه، دور مركزي في محادثات اوسلو باعتباره، آنذاك، كان احد مندوبي منظمة التحرير الفلسطينية، وبهذه الصفة التي توسعت بعد ان اصبح الرئيس عباس رئيساً لمنظمة التحرير، عقب انتخابه لرئاسة السلطة الفلسطينية العام الماضي، فإن هناك امكانية تعتبر اكثر من واردة، لايجاد مسار تفاوضي عبر المؤسسة الرئاسية الفلسطينية. وهي امكانية لم تعترض عليها الحكومة الفلسطينية بقيادة »حماس«، وانما تركت لهذه المؤسسة ان تبادر بالقيام بأي خطوات تكون في مصلحة الشعب الفلسطيني، وضمن حقوقه الوطنية الثابتة والمشروعة.

ان مقترحات الرئيس عباس تثبت بطلان المقولة الاسرائيلية، التي تزعم انه لا يوجد شريك تفاوضي فلسطيني: وهي المقولة التي رددها اولمرت قبل ايام قلائل زاعماً ان الغياب المزعوم للشريك الفلسطيني سيدفع به الى ترسيم الحدود الاسرائيلية من جانب واحد، خارج اطار المفاوضات. فالشريك الفلسطيني موجود، ومعترف به دولياً، وهو منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت الاتفاقيات السابقة مع اسرائيل. وتتمثل حالياً في مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، التي تمتلك صلاحيات دستورية لا يستهان بها، مثلها في ذلك مثل الحكومة الفلسطينية التي لم ولن تقف حجر عثرة أمام عملية سلام عادلة، تعيد الحقوق، وتنهي الاحتلال والاستيطان.

ومما يبعث على الاستغراب ان الرد الاسرائيلي على مقترحات الرئيس عباس كان فاتراً وغير مشجع. ومع التنبيه على ان الموقف الاسرائيلي من المؤتمرات الدولية ظل دائماً رهناً للاعتراضات والتحفظات، فإن طرح خطة خريطة الطريق، التي اتخذها الناطق باسم الخارجية الاسرائيلية بالأمس ذريعة لاستبعاد مقترحات الرئيس عباس، ان طرح هذه الخطة على اجندة مؤتمر دولي موسع أو مضيق، يزيل التحفظات الاسرائيلية، ويفسح المجال أمام انطلاقة جديدة في عملية السلام تضع حداً للعنف وسفك الدماء، وتعيد لشعوب المنطقة بصيص أمل في المستقبل الآمن والمستقر، بعد ان عانت طويلاً من الصراعات والمواجهات، وخيبات الامل المتلاحقة، على مدى العقود الستة لماضية.