اتصل بي تلفونيا أحد كبار القساوسة الأقباط مساء الجمعة محتجا على بيان مجمع الفقه الإسلامي الذي صدر رداً على مقولات الدكتور الترابي حول المرأة وزواجها من الكتابي وشهادتها وإمامتها الصلاة وحجابها ونزول السيد المسيح، الذي أهم الأب القسيس .

ـ وهو من المهتمين بالشأن العام ـ هو تكفير بيان مجمع الفقه الإسلامي لأهل الكتاب من يهود ونصارى وتكفير من لا يكفرهم. ورغم تنبيهي له بأني خارج الخرطوم حتى يختصر في حديثه إلا أنه أصر أن يقرأ عليّ نصَ الفقرة التي أغضبته في البيان.

وهي: «ان كفر اليهود والنصارى يعد من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى أو شك في ذلك فهو كافر»، وقال لي ان مثل هذه الفتاوى الجارحة تهدم كل ما تقومون به في مجلس التعايش الديني.

ولم أستطع أن أرد عليه بأن هذه معركة داخلية بين «الشيخ» الذي خرج على «دولة الإسلام» وبين حوارييه القدامى ولستم أنتم طرفا فيها أو المعنيين بها. فقد قال الشيخ الترابي بجواز زواج المسلمة من الكتابي في نهاية عقد السبعينات عندما سألته في أميركا زنجية دخلت الإسلام:

هل تبقى مع زوجها المسيحي أم تفارقه، فأفتاها بالبقاء معه، واعترض أحد علماء اليمن من الحاضرين في المؤتمر على تلك الفتوى، ولكن الحواريين في السودان صمتوا ولم ينبسوا ببنت شفة في ذلك الوقت، ولكن اليوم غير البارحة!

ولست بصدد مجادلة أهل مجمع الفقه الاسلامي في صحة حكمهم على مقولات الترابي وفقا للنصوص الدينية التي استشهدوا فإني لست من علماء الدين ولا أدعي معرفة بتلك النصوص أكثر منهم.

ولا أريد أن أسل سيفي دفاعا عن الشيخ، فهو أقدر من يدافع عن نفسه وفتاويه وليتهم يطلبونه في منتدى معلن ويتحاورون معه حول تلك القضايا المثارة في ملأ من الناس فإنهم يقدمون بذلك خدمة علمية مفيدة ومتعة فكرية وسياسية لا نظير لها تلطف ليالي الخرطوم الكالحة!

ولكن تهمني العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في السودان .وقد بذلنا في مجلس التعايش الديني المكون مناصفة بين المسلمين والمسيحيين جهدا كبيرا في تقريب الشقة بين القيادات الدينية المختلفة.

وبنينا قدرا من الثقة بينهم نرجو أن تصب في مصلحة دعم السلام والوحدة الوطنية ،واستطعنا معالجة عدد من المشكلات التي يشكو منها المسيحيون في ولاية الخرطوم، ويحزننا أن يذهب مجهودنا هدرا كما قال القمص القبطي بسبب معركة جانبية يخوضها مجمع الفقه الإسلامي مع الدكتور الترابي.

وان كنت لا أدعي معرفة بعلوم الدين تؤهلني للفتوى إلا أن تداعيات بعض المقولات الدينية على التعايش السلمي في المجتمع لا تحتاج إلى معرفة عميقة بالنصوص.

والشكوى التي يقول بها كثير من الناس ضد فتاوى بعض رجال الدين أنها لا تأخذ في الحسبان آثار تلك الفتاوى على حياة الناس .والمعلوم أن الفتوى هي تنزيل النصّ على الواقع المعاش بقصد دفع ضرر أو تحقيق مصلحة.

فحين يقول الحق عز وجل «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»، فسب الأصنام في حد ذاتها ليست جريرة تمنع ولكنها منعت بسبب آثارها وتداعياتها التي تنتج عنها.

وأحسب ان الإعلان عن كفر أهل الكتاب وتكفير من لا يقول بكفرهم في بيان معلن صادر عن مؤسسة رسمية تتبع لرئاسة الجمهورية لهو من الأمور الخطيرة التي تؤثر سلبا على التعايش السلمي في السودان، ويعلم شيوخ المجمع الفقهي ما خسره السودان من موارد بشرية ومادية في تلك الحرب الضروس .

وما فقده من استقرار سياسي، وأن الدين كان أحد عوامل تلك الحرب ونال نقاشا مستفيضا في مفاوضات السلام قبل أن يصل فيه الطرفان إلى معادلة مقبولة ،وما زال يمثل قضية شائكة حساسة كما اتضح في المداولات حول دستور ولاية الخرطوم.

فهل من الحكمة أن يأتي مجمع الفقه الإسلامي الذي تموله الحكومة ليهدد كل مكتسبات اتفاقية السلام بمثل هذا البيان الخطير، وقد سبق لبعض شيوخه أن ساهموا بالفتوى في انجاح المفاوضات حول قضية الدين؟

وإذا جاز لمجمع الفقه أن يفتي الحكومة بتحليل الربا (وهو محرم قطعيا لا تأويلا) بسبب توفير بعض ضروريات الحياة، أفلا يجوز لهم مخاطبة أهل الكتاب بما يحبونه من ألفاظ من أجل ضرورة التعايش السلمي في المجتمع؟

ولهم في ذلك سند من القرآن: «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون»، فقد سماهم القرآن بالاسم الذي يحبونه ويطلقونه على أنفسهم (انا نصارى).

وما معنى الاستشهاد في هذا الوقت العصيب بالآية الكريمة: «قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون».

هل يريد المجمع الفقهي أن تقاتل الدولة أهل الكتاب وتعلن عليهم الجهاد حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية وهم صاغرون؟ وان لم يرد ذلك فلماذا الاستشهاد بتلك الآية؟

وإذا لم يريدوا ألا يعد ذلك نكرانا منهم لمعلوم من الدين بالضرورة، فيدخلون عندها فيما دخل فيه صاحب المقولات المستنكر عليه؟ ولا يستقيم خطاب أهل الكتاب بألفاظ مبغوضة إليهم والنداء لقتالهم حتى يعطوا الجزية بإيراد الآية:

«لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين»، والخطاب بالبر والقسط في الآية لكل المخالفين في الدين بما فيهم المشركون دعك من أهل الكتاب الذين هم أقرب مودة للمسلمين .

وأنهم لا يستكبرون. فلا يمكن أن يكون من البر تسمية الإنسان بألفاظ مكروهة لديه وتثير عليه السخط والعداء ثم النداء لقتاله حتى يستسلم وهو صاغر.

لقد آن لنا أن نكف عن الخطاب المزدوج، خطاب متشدد للإسلاميين وآخر ملطف لغيرهم، وخطاب عروبي لأهل الشمال وآخر أفريقي لأهل الجنوب، وخطاب وطني لأهل السودان وآخر مستكين للعالم الخارجي.

وكأن الناس قاطبة تعيش في كانتونات منعزلة لا تسمع إلا ما يوجه إليها من خطاب ولا تعرف ما يدور مع الآخرين. وليس هذا ما يوصف به عالم اليوم الذي أصبح قرية كبيرة متشابكة ومتصلة.

وقد سبق لي أن طرحت على الدكتور عصام أحمد البشير وزير الإرشاد السابق فكرة ورشة عمل حول توحيد الخطاب الإسلامي في التعامل مع الآخر في المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية يدعى لها كل التيارات الإسلامية بما في ذلك الذين يحرمون تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم.

وقبل الرجل الفكرة ووعد بتمويلها وكوّن لها لجنة تسيير من شخصيات مقبولة ووضع لها تصورا كاملا من حيث الموضوعات التي يدور حولها النقاش والمستكتبين فيها والمدعوين لها.

وعندما ترك الوزير السابق الوزارة تحدثنا في الأمر مع الوزير الجديد فأبدى حماسة للموضوع ولكن شواغله خارج الوزارة وداخلها لا تنتهي، فلم يحدث شيء رغم مرور الأسابيع والشهور.

وما زالت وثائق الورشة حبيسة أضابير وزارة الارشاد في انتظار من يحركها، ولتكن اثارة إعلان تكفير أهل الكتاب فرصة للرجل أن يعطي الموضوع الأسبقية التي يستحقها.

أرى أن يعاد النظر في تكوين مجمع الفقه الإسلامي ليكون أكثر حساسية في المستقبل تجاه التعايش السلمي في السودان، وأن يكون بعيدا من رئاسة الجمهورية التي يتربع على قمتها شخصية مسلمة وشخصية مسيحية.

وقد سبق للحركة الشعبية أن أصرت في مفاوضات نيفاشا على ابعاد وزارة الارشاد والأوقاف من أن يكون لها دخل بشؤون الجنوب وتم لها ذلك، ومن باب أولى أن يبتعد مجمع الفقه الإسلامي من رئاسة الجمهورية رغم الود المتبادل بين الرئيس ومستشاره للتأصيل!

كاتب سوداني