تعود القوى السياسية اللبنانية، اليوم إلى الجلوس حول طاولة الحوار المستديرة. انقضى أكثر من ثلاثة أسابيع على آخر جلسة لها. حتى الآن وبعد حوالي ثلاثة أشهر على انطلاق جولات الحوار، ما زالت الإنجازات الملموسة ضئيلة، التوافق حصل على بعض القضايا،لكن في حدود المبدأ.

المسائل الخلافية جوهرية وعميقة، والبلد منقسم بحدة، بشأنها.

وهي أيضاً مزمنة صارت محفورة في الواقع اللبناني، والاستقطاب بخصوصها شديد، وأحياناً على درجة عالية من التوتر. لذلك لم يكن من المتوقع، منذ البداية، أن تكون رحلة العبور إلى التفاهم، ولو بالحد الأدنى، حولها سهلة.

أو من دون عقبات وإشكاليات قاسية وصعبة. أكثر من ذلك، ليس من المحتمل أن تتمخض جلسة اليوم عن خطوات توافقية مهمة، ولا حتى في الإطار العريض للبنود المطروحة.

هذه البنود تتعلق بمواضيع تطال العصب النخاعي للأزمة السياسية: رئاسة الجمهورية وسلاح المقاومة ـ حزب الله ـ حسب المتداول والمعروف عن أجواء المتحاورين، لن يصار إلى ملامسة هذين الملفين. بل قد يكتفى بالعموميات والتوافق، في النهاية، على استئناف الحوار، في موعد لاحق، وفي ضوء المعطيات اللبنانية والإقليمية المعروفة، يندرج الاستئناف في خانة المكسب. بل أيضاً في خانة المطلب.

صحيح أن الوضع اللبناني مخنوق ويعاني بألم كبير من أوجاع المراوحة والجمود. ليس السياسي فقط . بل أيضاً وأساساً الاقتصادي والمعيشي وغيره. الضغوط كثيرة وطاحنة.

ناهيك بالاحتقان ومناخ التأزيم السائد والشحن السلبي المؤذي. لكن الصحيح أيضاً أن المخارج المطلوبة والمرغوبة غير ميسورة في هذه اللحظة، على ما يبدو.

والأسباب كثيرة ومتداخلة الفراغ بين السائد المأزوم وبين المرجو المفقود، جاء الحوار ليسّده، ومن هنا أهميته وضرورته، ففي غيابه لا يقوى الوضع الراهن على الاستمرار من غير وجع رأس. حتى لا نقول أكثر. فالحوار قد يكون في جانب منه، شراء وقت. أو قد يكون رفع عتب. أو فقط من أجل إبلاغ الموقف والترويج له، من غير نيّة في التنازل أو المساومة.

وربما يكون كل ذلك. لكن لا بأس في العموم، للحوار فضائل عديدة. ليس أقلها أن مجرد الدخول إلى ساحته يعني الخروج من الساحات البديلة الأخرى، التي تقود إلى مراكمة عوامل التأجيج والتباعد. وفي آخر المطاف إلى مواجهة ما.

في الساحة اللبنانية ومعطياتها الحالية، الداخلية والإقليمية، يكتسب الحوار طابع الضرورة والخيار الوحيد. فالبلد له تجارب سابقة في خيارات أخرى، أدت إلى ما أدّت إليه من خراب وانهيار.

وطبعاً هو ليس في وارد تجربة المجرّب. ومن هنا حرصت الأطراف كافة على عدم التسبب بانفراط الحوار. لا أحد يريد أن يتحمل هذه المسؤولية.

وهذا بحد ذاته صمّام أمان. ثم كانت منافعه أنه حصل وتواصل ولأول مرة، فوق الأراضي اللبنانية، من غير وساطة خارجية. تعقدت بعض جلساته وربما حصل فيها انسدادات ورفعت لمدة أكثر من اللازم. لكن كان هناك توافق ـ على الأقل حتى الآن ـ على معاودة الكرّة.

يضاف إلى ذلك أن المداولات حكمتها أجواء هادئة وعلاقات لائقة. وكل ذلك يعزز من هذاالخيار ويزيد من أهميته، حتى ولو طال أمده. المهم أن يتوالى. طبعاً ليس من غير أفق. ولكن بالتأكيد من دون توتر أو تشنج. علّ التطورات والأيام تتكفل بتوفير المحفزات على الحلحلة، وتبديد الغيوم، وبالتالي فتح الآفاق.

وإذا كانت تجارب اللبنانيين لا تكفي لوحدها من أجل التشبث بخيار الحوار، واستبطان كل احتمالاته، فإن ما يجري في المنطقة كفيل هو الآخر بأن يعزز من أهمية الحوار وعدم التخلي عنه.