أكثر ما بقي في ذهني وتردد صداه في خاطري عقب مشاركتي في فعاليات «الملتقى الإعلامي الثالث» الذي استضافته القاهرة، وحضره لفيف من خبراء إعلاميين ومفكرين وساسة عرب وأجانب، هو مطالبة كثيرين بإلغاء وزارات الإعلام العربية، لأن صناعتها الأساسية في رأيهم هي النفاق.
ووظيفتها التسبيح بحمد الحكام، وتبرير سياساتهم، ومن ثم فإن ضررها أكبر كثيرا من نفعها، وقدرتها على منافسة الإعلام المحلي الخاص، والإعلام الدولي المتدفق بلا هوادة ولا روية ولا استئذان، باتت معدومة.
وقد ضغط موضوع الإعلام بشدة على العقول والنفوس والأوقات في الأشهر الأخيرة، لدرجة أن القاهرة شهدت ورش عمل وندوات عدة حول الإعلام والنزاعات المسلحة، والإعلام وقضية اللاجئين، والإعلام والإرهاب، والإعلام والفتنة الطائفية في مصر، كان القاسم المشترك فيها، حسب ما رأيت وسمعت وشاركت، هو زالحريةس.
حيث بدا الجميع متفقين على أنه لا إعلام من دون حرية، وأن حال الإعلام العربي الآن ينطبق عليه قول الأديب الكبير يوسف إدريس زإن الحرية المتاحة في العالم العربي برمته لا تكفي كاتبا واحداس.
وأن المال وحده لا يصنع إعلاما ناجحا، وأن الشفافية وانسياب المعلومات بلا كوابح ولا حواجز أو قيود عملية ضرورية لإيجاد إعلام قادر على المنافسة، يتمتع بالمصداقية، ويتحرى الدقة في كل ما يطرحه، ويحترم عقلية المتلقي، ويدافع عن حقه في معرفة ما يجري.
ولما طالعت خبرا عن اعتزام مؤسسة البيان للصحافة والطباعة والنشر بتخصيص مؤتمرها السنوي الثاني لمناقشة مستقبل الإعلام المحلي بدولة الإمارات، تداعت إليّ كل هذه المعاني.
خاصة حين قرأت أن المؤتمر سيهتم بقضية حرية التعبير فضلا عن سهولة الوصول إلى مصادر المعلومات وإدارة المؤسسات الإعلامية، وهي القضايا الثلاث التي تمثل العمود الفقري لكل المناقشات والمداولات التي تدور من المحيط إلى الخليج من أجل الارتقاء بالإعلام العربي.
لكن القضية التي لم تأخذ نصيبا كافيا من هذا الأخذ والرد، والتي سيهتم بها المؤتمر، تتعلق باستشراف أثر التطور التكنولوجي ومتطلبات الفضاء المفتوح على الاتصال بوصفه عملية نفسية اجتماعية ضرورية للإنسان، وحقلا معرفيا يدرس تبادل المعاني بين الأفراد في المجتمع عبر نظام مشترك من الرموز، ينتشر في الزمان والمكان، ويتمتع بالاستمرارية وقابلية التنبؤ.
فالثورة التقنية التي شهدها عالم الاتصال في العقد الأخير أزاحت من طريقها مفاهيم قديمة عن الإعلام، وجرفت أمامها تصورات طالما ربطت بين الإعلام والسيادة، وخلطته بالدعاية والوعظ، وأخضعته للرقابة الشديدة التي تسببت في حجب المعلومات عن الناس، في ظل الوظيفة التي تحددها السلطة للإعلام المحلي.
وبدت الكوابح التي ترمي إلى الحد من أي آثار سلبية لهذه الثورة، مثل ميثاق الأمم المتحدة، والدساتير والقوانين الوطنية، والخصوصيات الثقافية والاجتماعية، ضعيفة أمام قدرة شبكة المعلومات على اختراق الحواجز، وتحدي السيادة الوطنية.
فالفضائيات التي باتت حقلا مربحا للاستثمار، تنقلها الأقمار الصناعية إلى كل مكان، من دون أي عناية بالمفهوم التقليدي لسيادة الدول، ولا مراعاة لأي خصوصيات تصنعها الأديان والتقاليد والأعراف.
والإنترنت تطور بمجتمع المعلومات من الحاسوب الشخصي إلى الطريق السريع للمعلومات، وفتح الباب أمام استخدام وسائل إعلامية أسرع وأشد انتشارا ونفاذا في الحرب والدعاية، وفي التجارة الإلكترونية، وفي مجالات خدمية مثل الطب والتربية والتعليم... الخ.
إن مستقبل الإعلام الإماراتي، المقروء والمرئي والمسموع، لا يمكن فهمه، هو وغيره من الإعلام المحلي لأي دولة، إلا في إطار هذا السياق الأوسع، ولا يمكن تقبله إلا مع التقدم المستمر نحو حرية التعبير، والترقي المتتابع في استخدام أحدث التقنيات، مع التركيز على تنمية المهارات المهنية، بالتدريب المستمر، وترقية الجوانب الإنسانية للعاملين في الحقل الإعلامي، بالمعاملة الحسنة.
وإذا كان العام الماضي قد شهد بعض هذه الأمور ومنها المطالبة بتعديل قانون المطبوعات والنشر في الإمارات لعام 1980، وتشجيع المبدعين في المجالات المهنية.
والتركيز على محتوى الرسالة الإعلامية واحترام عقلية واحتياجات المتلقي، فإن المؤتمر الثاني مطالب بالتفكير في تحويل هذه المطالب المهمة والمشروعة إلى إجراءات واقعية، يمكن معها أن تتحول الأحلام والأمنيات العريضة إلى حقائق ساطعة.