بالرغم من مرور أعوام ثلاثة من اجتياح العراق وسقوط بغداد، وبالرغم من هالة الوعود الكبيرة التي بشر بها دونالد رامسفيلد بشأن المستقبل «الديمقراطي» الواعد الذي ينتظر العراق، فان الترياق لم يصل بعد.
وعلى الأرجح لن يصل على ضوء حالة (التجاذب والتنافر/الشد والاسترخاء) التي لم تأت من فراغ، وعلى ضوء اتساع التباين بين الكتل الرئيسية التي تشكل قوام الحالة السياسية العراقية، والتشكيلة الفسيفسائية الاثنية الطائفية التي لا تستجيب أصلاً لبناء مستقبل للعراق الجديد يستوعب وقائع الحياة وتطوراتها.
وما زاد من حالة التباين داخل الخارطة السياسية العراقية، تداخل مظاهر الانفلات الأمني والفوضى الدموية التي يسبح العراق في بحرها، والهزات الدموية الداخلية، في ظل حساسية عالمية متزايدة من مسألة ز الارهاب ز والخلط المتعمد «الاسرائيلي الاميركي» بينه وبين المقاومة المشروعة، إضافة الى تزايد مشاعر القلق بين الأقليات القومية التي تشكل البنية الديمغرافية للعراق.
وعليه فان التشكيلة القيادية الراهنة التي في بغداد، جاءت بالضرورة متواضعة في قوتها التوافقية/بين الأطراف العراقية المؤتلفة في الحكومة وخارج الائتلاف الحكومي، ووليداً طافراً في سياق «الأمر الواقع» من حيث سطوة الاحتلال والتأثير المباشر للسفير زلماي خليل زاد في تقرير الأمور على الساحة العراقية.
هذا إذا ما أضفنا بأن عامل المقاومة الحقيقية بأشكالها المختلفة باعتباره عاملاً مهما، أصبح الآن عاملاً حاسماً في تقرير سير الأوضاع وفق المنظور المرئي، وفي تقرير مدى وامكانية فشل/أو نجاح خطوط المشروع الاميركي تجاه ما يسمى «اعادة تأهيل العراق» وبناءه من جديد بفاتورة اعمار باهظة تقدرها المصادر الاميركيه بما يفوق الـ 400 مليار دولار أميركي.
ان حل معضلات الوضع العراقي الداخلي، وتخليصها من عوامل التقيح المشوبة بها، فرصة من أجل صياغة المستقبل السياسي للعراق على يد أبنائه، الأمر الذي يدعو للبحث في الآليات الحاملة للعملية السياسية وحراكها.
بحيث تنتفي سطوة الطائفية والمذهبية ولاتقف وجه عثرة أمام «مواطن عراقي بحقوق مواطنة كاملة» في مسيرة طويلة تنتظر العراقيين للخروج من المحنة القائمة.
في هذا السياق، فان الأجواء العامة في العراق تتطلب قدرا كبيرا من التسامح بين الأطراف العراقية، والسير معاً من أجل عراق ديمقراطي حر، بعيداً عن وضعه داخل دائرة الاستخدام الخارجي الأميركي أو الإسرائيلي.
فالرئيس بوش يعمل جاهداً على تحقيق انجاز نوعي جداً خارج الولايات المتحدة تجنباً لخسارة محتملة مستفيداً من درس والده الذي خسر الرئاسة في المنافسة الثانية بالرغم من تفكك الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة في عهده واخراج القوات العراقية من الكويت.
وبالمحصلة، يمكن القول بأن ملف العراق المشتعل يلخص الى حد كبير ملفات دولية أوسع من دائرة العراق والشرق الأوسط، على ضوء التنافس والصراع الخفي الدائر تحت الطاولة بين الولايات المتحدة وغالبية دول الاتحاد الأوروبي.
فمن موقع السياسة البراغماتية الأوروبية التي تعشق الوقائع وتتجاوب مع متغيراتها، قد أظهرت تطورات ما بعد احتلال بغداد استمرار الضيق الذي أطلقته الحنجرة الأوروبية والدولية بشأن العراق بعد أن استطاعت الولايات المتحدة أن تكرس واقعاً قائماً على الأرض في الشرق الأوسط مع احتلال العراق وفرض السيطرة المطلقة عليه.
فهذا الأمر يزيد من حالة التململ الأوروبي بشكل عام جراء السياسة الاستقطابية الأحادية التي تمارسها واشنطن بشأن بؤر التوتر في العالم وتحديداً منذ انتهاء الحرب الكونية الباردة، وتفردها في محاولة رسم مستقبل السياسات الدولية.
ومستقبل الحلول لبؤر الأزمات، وانتهاج سياسة انقلابية أكثر وضوحاً في العلاقات الدولية، فالتململ الاوروبي عكسته نتائج الانتخابات الاسبانية والايطالية، وإطلاق برودي صيحته لسحب قوات بلاده من العراق.
وعليه، ان فالدول المؤثرة في الخارطة العالمية (روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا..) لها مصالح كبرى في الخليج والعراق والشرق الأوسط، وتجربة كل منهما المرّة مع واشنطن/بريطانيا، تدفع بالدول إياها نحو خطوات عملية ملموسة لحماية مصالحها.
وهذا لن يكون إلاّ بإعادة صياغة العلاقات الدولية على قاعدة جديدة في إطار مجلس الأمن الدولي وليس الصفقات الثنائية والثلاثية كما حصل بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ودوران سياسة موسكو بين 1991 - 1996 في فلك السياسة الأميركية.
وهو ما يشكل أيضاً فرصة ثمينة أمام العرب لوضع خارطة المصالح على طاولة البحث ، والتعاطي بشكل متوازن مع واشنطن وباقي أطراف الخارطة الدولية تبعاً لحسابات الربح والخسارة كما هو الحال في العلاقات بين المجموعات والكتل الدولية.