«حال الإعلام العربي» هو العنوان الذي اختاره منتدى الإعلام العربي لمؤتمره السنوي هذا العام بتنظيم من نادي دبي للصحافة يوم 26 ابريل الجاري بمدينة جميرا بدبي.
الإعلام العربي يمثل قطاعا استراتيجيا في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وفي الفضاء العام العربي، ومناقشة إشكالية حال الإعلام العربي في الوقت هذا بالذات وفي هذه الظروف الصعبة التي يمر بها الوطن العربي سواء من حيث الحملات الدعائية والمغرضة على كل ما هو عربي ومسلم .
أو ما يتعلق بالأوضاع في العراق أو من حيث التجاوزات العديدة والمستمرة للكيان الصهيوني وسياسته الاستيطانية وسياسة تهويد القدس أو من حيث بعض الأوضاع الصعبة التي تمر بها بعض الدول العربية الأخرى كالسودان و سوريا و لبنان ومصر واليمن والصومال.
وتداعيات التطورات الأخيرة في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وصراع الدلالات وحرب الصور بين الغرب والعرب الخ، تستحق وقفة صريحة وموضوعية وشجاعة مع المنظومة الإعلامية في الوطن العربي سواء ما يتعلق بالرسالة الإعلامية أو بالكادر البشري .
أو بإدارة المؤسسة الإعلامية أو التعليم و التدريب وعلاقة السلطة بالمؤسسة الإعلامية أو ما يخص القوانين والتشريعات الإعلامية أو الأخلاقيات والعمل النقابي.
على الصعيد الدولي يعاني العالم العربي من اتساع الهوة بين الذين «يملكون» ويسيطرون على الصناعات الإعلامية والثقافية حيث أن مسألة العولمة والثورة الاتصالية والمعلوماتية أصبحت تمثل موضوعا مهما يجب الوقوف عنده وتحديد الإمكانيات والوسائل والاستراتيجيات اللازمة للتعايش في عالم أصبحت فيه الحدود الجغرافية منعدمة.
وأصبحت فيه الهوية الوطنية والثقافية المحلية في خطر. التحديات على المستوى الدولي أصبحت كبيرة جدا، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج العالم العربي إلى إعلام فعال وملتزم ومهني ومسؤول للحصول على مكانة تليق به في الخريطة الإعلامية العالمية.
في الظروف السالفة الذكر سواء على الصعيد المحلي أو الدولي يحتاج العالم العربي اليوم إلى إعلام فعال وحر وديمقراطي ومحترف وملتزم كما يحتاج إلى تحديد استراتيجية إعلامية عربية واضحة المعالم.
حيث أنه بحاجة إلى تفعيل وإلى آليات جديدة تتماشى مع ظروف العصر تخرجه من الممارسات الروتينية التي أفرزت التهميش والتسطيح والتبسيط إلى مجالات واسعة يستطيع من خلالها تحديد مكانة مرموقة له سواء على الصعيد المحلي أو الدولي.
الكلام عن استراتيجية إعلامية عربية يقودنا للتساؤل عن استراتيجية إعلامية على صعيد كل قطر عربي وهنا نرى، ومع الأسف الشديد، أن غالبية الدول العربية لم تفلح في استعمال الآلة الإعلامية لمصلحة شعوبها، بل استخدمتها للمصالح الضيقة للسلطة فقط، وإذا نجحت معظم الدول العربية في استعمال النظام الإعلامي في تمرير خطاب السلطة.
وفي فرض إعلام عمودي فإنها فشلت فشلا ذريعا في إقامة وإرساء قواعد إعلام أفقي، ديمقراطي، شفاف موضوعي، صاحب رسالة و هادف، إعلام يعمل من أجل دمج الجماهير الشعبية في عملية التنمية الشاملة، وفي عملية المشاركة السياسية.
من جهة أخرى نلاحظ أن إشكالية علاقة السلطة بوسائل الإعلام في الوطن العربي ما زالت بحاجة إلى إعادة النظر وإلى دراسة متأنية حتى تصبح المؤسسة الإعلامية في الوطن العربي مؤسسة فاعلة تستطيع أن تُغير وتستطيع أن تساهم في عملية صناعة القرار.
القائم بالاتصال في الوطن العربي ما زال يعاني من قوانين وعقوبات صارمة، كما يعاني من نصوص تشريعية تُستعمل ضده بكل سهولة وبساطة وفي ظل مثل هذه الفضاءات التشريعية والقانونية المفخخة يتجنب الصحافي في الوطن العربي الموضوعات الحساسة والمهمة والشائكة.
ويتحول من الصحافي الفعال إلى الصحافي السلبي الذي يقرأ التاريخ بعيون السلطة وبعيون القوى الفعالة في المجتمع وليس بعيون الحقيقة و الواقع وبذلك فإنه لا يشارك في صناعة التاريخ الذي ينقل أحداثه، بل أكثر من ذلك يسلط السيف على نفسه.
ويمارس ما يسمى بالرقابة الذاتية وبذلك يقدم خطابا إعلاميا خاليا من المحتوى ومن الروح ومن كل ما من شأنه أن يحرك الضمائر ويفسح المجال أمام المواطن العربي للممارسة السياسية و لتقرير مصيره والمساهمة في طرح القضايا ومناقشتها بكل حرية وديمقراطية وشفافية.
من المحاور الرئيسية والمهمة التي يجب النظر إليها عند التطرق إلى الإعلام في الوطن العربي موضوع ميثاق الشرف والمهنية والحرفية.
والملاحظ والقارئ لمخرجات الإعلام العربي يدرك الثغرات الكبيرة والمتعددة التي تنتشر في النظام الإعلامي العربي. فالمؤسسة الإعلامية العربية ما زالت في الكثير من الدول العربية لم ترق إلى المؤسسة الإعلامية بالمعنى الكامل للكلمة سواء من حيث الإدارة أو التنظيم أو الهيكل أو الوسائل أو الكادر البشري.
نلاحظ في الكثير من الأحيان المساومات والتجاوزات والمتاجرة بالمهنة على حساب الأصول والقوانين والأخلاقيات وعادة ما تستعمل المؤسسة الإعلامية لأغراض ومصالح ضيقة جدا تكون لصالح فئة معينة أو حزب معين أو تيار معين على حساب الغالبية العظمى من أفراد المجتمع.
ففي الكثير من الدول العربية نلاحظ غياب النقابات المهنية الصحافية وجمعيات الصحافيين للدفاع عن المهنة وعن القائمين بالاتصال. وإذا قلنا هنا الدفاع عن المهنة فإننا نقصد صيانتها وحمايتها من المتطفلين والانتهازيين الذين يسيئون إلى المهنة وإلى شرفها وأخلاقياتها.
الإعلام الحكومي في الوطن العربي أعلن معظمه إفلاسه منذ زمن ولم يصبح له مبرر للتواجد في عصر الانترنيت وعصر الفضائيات وعصر القرية العالمية التي لا تؤمن بالحدود. لكن رغم ذلك ما زالت نسبة كبيرة من المؤسسات الإعلامية العربية تتبع وزارات الإعلام والاتصال.
ومازالت تقدم خطابا إعلاميا لا طعم ولا ذوق له ولا علاقة له بواقع الشعوب العربية وهمومها. وهنا نلاحظ الفجوة القاتلة بين الإعلام العربي والشارع العربي والتي تتمثل في أزمة المصداقية.
فالإعلام العربي يعاني مشكلة كبيرة جدا تتمثل في ثقة الشارع في الخطاب الإعلامي، وإذا انعدمت المصداقية أصبح الإعلام بدون تأثير وبدون فعالية وبذلك يصبح فارغا من محتواه.
في مرحلة وجيزة استطاعت معظم الدول العربية أن تقتحم البث التلفزيوني الفضائي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل استطاعت هذه الفضائيات أن تنتج وتقدم الرسالة الإعلامية اللازمة والمخرجات التي تعبر عن الهوية العربية والثقافة العربية والحضارة العربية الإسلامية؟ هل استطاعت الفضائيات العربية أن تقدم البديل وتواجه التشويه والتضليل الإعلامي والصور النمطية؟
هل استطاعت الفضائيات العربية أن تستغني عن المسلسلات المدبلجة والمنتجات الغربية المعلبة التي لا تمت بأية صلة للواقع العربي ولهموم ومشاكل مئات الملايين من العرب؟
أم أن هذه الفضائيات جاءت لتمرر وتبث رسائل إعلامية تزيد من اغتراب المشاهد العربي وتهميشه و تنميطه على ثقافة الاستهلاك. ما تحتاجه هذه الفضائيات هو برنامج محكم للإنتاج والإبداع في مختلف مجالات صناعة الإعلام والاتصال.
العالم العربي بحاجة إلى صناعات إعلامية وثقافية يعبر من خلالها عن هويته وخصوصيته و حضارته و ثقافته - التي لا يجدها في المسلسلات البرازيلية و المكسيكية - صناعات إعلامية تواجه التضليل والتشويه، صناعات إعلامية تعكس الواقع الحقيقي وليس الواقع المفبرك، صناعات ثقافية تؤكد الوجود العربي على المستوى العالمي.
الدروس المستخلصة من القنوات الفضائية العربية تقودنا لاستنتاج أن التكنولوجيا وامتلاكها لا يعنيان الكثير إذا لم تكن هنالك عمليات إبداع واستراتيجيات إنتاج محكمة، مخططة ومبرمجة تقدم للمشاهد العربي رسالة هادفة غائية ذات مستوى جيد وذات قيم، يجد المشاهد العربي همومه ومشاكله وأحلامه فيها.
خطاب إعلامي يساهم في التأسيس لسوق حرة للأفكار ولفضاء عام تتنافس فيه الآراء والأفكار ووجهات النظر من أجل إبراز الحقيقة، و الحقيقة فقط مهما كان ثمنها، و لا مجال للتسطيح والتهميش والتبسيط والتلميع والزغردة والتطبيل.
يعيش العالم في الألفية الثالثة تغيرات جذرية وسريعة في آن واحد، والعالم العربي يجد نفسه، أكثر من أي وقت مضى، أمام تحديات كبيرة جدا تحتم عليه التحكم وبصورة فعالة في التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الإعلام والاتصال وهذا لا يعني التحكم في التكنولوجية دون التفكير في الإنتاج والمحتوى والمخرجات.
والتحدي الكبير الذي يواجه العالم العربي هو حماية الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وشخصيتها القومية أو الذوبان في الثقافة العالمية التي لا تعترف لا بالحدود ولا بالقيم ولا بحضارة الآخر.
أما التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام العربي فهو استغلال القدرات والطاقات والإمكانيات المادية والبشرية المتوفرة لإرساء قواعد ومستلزمات صناعة إعلامية رشيدة ومحكمة تستطيع أن تنافس وأن تسوّق الأفكار والقيم والهوية العربية الإسلامية للآخرين.
وهذا بطبيعة الحالة لا يتأتى هكذا وإنما يتطلب الدراسة والبحث والتحليل كما يتطلب إقامة علاقة صريحة مبنية على الثقة المتبادلة بين القائم بالاتصال والجمهور والسلطة. تحديات الألفية الثالثة في المجال الإعلامي بالنسبة للوطن العربي تحتاج إلى أكثر من مؤتمرات وندوات. الموضوع بحاجة إلى تكثيف الجهود وتوطيد وتدعيم الأعمال المشتركة من الدول العربية.
التحديات تتطلب الإنتاج وإعطاء البديل وتأكيد الهوية والخصوصية. فبسقوط الثنائية القطبية أصبح الإسلام وصراع الحضارات من السمات الرئيسية والمواضيع الحساسة لوسائل الإعلام الغربية وجاءت الإسلاموفوبيا كظاهرة نهاية القرن.
إن معركة القرن الحادي والعشرين ستكون معركة إعلامية معلوماتية واتصالية وسيكون النجاح فيها حليف من يعرف كيف يستغل تكنولوجيا الإعلام والاتصال وصناعة المعرفة وكيف يوفر الحرية والشفافية لأفراد المجتمع للحوار والنقاش وتبادل الآراء والأفكار.
لقد حان الوقت لتحرير الإعلام العربي من القيود والضغوط والاستغلال والابتزاز كما آن الأوان لتحرير الفرد العربي وإعطائه الوسائل والسبل ليبدع ويفكر وينتج وينافس من أجل إدراك الحقيقة والسوق الحرة للأفكار.
أستاذ الإعلام ـ جامعة الشارقة