ألم يتساءل بعض من يتحكمون بمقاليد الأمور على مسرح السياسة حول ماهية الحزب الذي بات يقود دفة الحكم في الدولة العبرية؟ وهل هم بحاجة إلى من يذكرهم بأن هذا الحزب قد ولد من رحم تكتل آخر تثقله التوجهات اليمينية والأحلام الدينية التوراتية.

وأنه لم ينشق عن التكتل المذكور إلا بهدف تشذيب سياساته وتركيز جهوده باتجاه واحد وحيد يعتقدونه مثمرا مع أنه لا يأبه بمحيطه ولا حتى من باب العلم بالشيء؟

ولماذا لا ينعت بالصفات المستخدمة جزافا في حالات توصف ادعاء بأنها يمينية ومتطرفة؟ ولماذا يكون مقبولا حزب ديني على رأس الهرم السياسي الإسرائيلي بينما ينعت بالإرهابي أي حزب آخر لديه توجهات دينية في الجانب العربي والإسلامي؟

إذا ما ألقينا نظرة ولو سريعة على خارطة الحراك السياسي في البلدان الغربية ألا نلاحظ وبوضوح حالة ارتقاء وصعود الأحزاب اليمينية عموما والديمقراطية المسيحية منها على وجه الخصوص؟

حتى رئيس أعتى دولة في عالم الغرب يجاهر وأركان حكمه ليلا نهارا وفي السر والعلن على السواء بأفكار لا يختلف حول طبيعتها اليمينية المتشددة عاقلان ولا يدعون أي فرصة تفلت منهم إلا وذكروا البلاد والعباد بأنهم أناس ينطلقون من أرضية دينية وأن مآلهم الأخير ديني الطابع أيضا.

خط السير الواحد والوحيد الذي تسلكه الدولة العبرية مدعومة من كل قوى والظلم والظلام حول العالم لا يعدو كونه استكمالا لعملية الانسحاب أحادي الجانب الذي استهلته القوات الإسرائيلية وقطعان المستوطنين من قطاع غزة أخيرا.

حيث بات في حكم المؤكد هذا التوجه الإسرائيلي الإستراتيجي لا سيما بعد أن قام الكيان الصهيوني بعملية تعسفية أخرى فصلت جذريا وربما تاريخيا شمال الضفة الغربية عن جنوبها في حين لا تشكل هذه العملية سوى قطرة في بحر عملية تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية .

أما الهدف الأساسي الذي يقف وراء خطوة إستراتيجية بهذا الحجم فهو هدف لا يخرج بأي حال من الأحوال عن إطار حرص الدولة العبرية على نقاء هويتها اليهودية الطافحة عنصرية وعدوانية واحتقارا للآخر..

إذ لم يعد خافيا على أحد أن هذه الخطوة ستمهد الطريق أمام ظهور كيان فلسطيني بلا هوية ومقطع والأوصال ومكسور الجناحين ولا حول ولا قوة له خارج الإرادة الصهيونية المسيحية الأنجلو- أميركية .

وأن كيانا أو دولة أو سلطة من هذا القبيل إنما هي تعبر بالأصل عن خيار صهيوني المراد منه قطع الطريق على خيار كامن آخر قادم لا محالة إن بقيت حالة الاشتباك القائمة على حالها وهو خيار قيام الدولة الواحدة على أرض فلسطين كل فلسطين بغض النظر عن الاسم الذي ستحمله.

هذا الخيار يشتد عوده جراء العامل الديموغرافي والحراك الذي يشهده على أرض فلسطين بجميع تقسيماتها وتصنيفاتها وهو خيار لا يعرف هدوءا أو سكينة ولا مزاح فيه ولا يقف عند حدود أحلام عنصرية تراود البعض وتتغذى أصلا على نزعات دينية بغيضة محضة سواء كان الكلام يدور عن هذه النزعات في كنف الدولة اليهودية أم بين أحضان المجتمع المسيحي عموما وفي جميع بلدان تواجدهما لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية..

معقل النزعات الدينية المتشددة حيث بات أشهر من نار على علم مدى عمق التحالف الصهيوني- المسيحي هناك والذي لا يدخر جهدا ولو بسيطا في سبيل الحفاظ على دولة صهيون.

واهم، إذن من يعتقد بأن لدى إسرائيل مشروعا سياسيا تنجزه مع شركاء فلسطينيين وعرب محتملين وبالتالي فإن كل ما يقوم على الفكرة الواهية القائلة بمشروع من هذا القبيل إنما هو تعبير عن أوهام محضة يتخيلها البعض على الساحة العربية.

صحيح أن الشعب الفلسطيني بأمس الحاجة لأي مساعدة مهما كانت بسيطة لأن الاحتلال لم يبق ولم يذر حين أغلق كل متنفس ممكن أمام هذا الشعب المغلوب على أمره لكنه بحاجة أكثر إلى أن يكف محيطه العربي تحديدا عن التلاعب بقضيته المقدسة لأهداف غير مقدسة.

ويتوقف عن تزويد الدولة العبرية بسبل الاستمرار في الوجود وبكل ما تتمتع به من مصادر للقوة.. عله يتوقف شلال الدم الفلسطيني ولو جزئيا ومعه شلال الأوهام المتدفق من أروقة وقمم ذلك المحيط.