ما الذي يمكن استنتاجه، أو استخلاصه، من الأزمة المؤسفة والمؤلمة التي اندلعت في الساحة الفلسطينية مؤخّرا، وقطباها حركتا «فتح» و«حماس»؟ وكيف حصل ما حصل؟

ومن هو المسؤول عن هذا التردّي في إدارة النظام الفلسطيني؟ في الإجابة عن هذه الأسئلة، وإذا أردنا تبسيط الأمور، وتجاوز ما حصل، من دون التمعّن جيدا في أسبابه الحقيقية، لمعالجتها جذرياً، يمكن الذهاب مباشرة إلى تحميل خالد مشعل (رئيس حركة «حماس»)، المسؤولية عما حصل.

فهو ألقى خطابا (في مخيم اليرموك بدمشق)، حرّض فيه على الأوضاع الداخلية، بعبارات خفيفة خلت من روح المسؤولية القيادية، ومن التبصّر في عواقب الأمور، وخاطبت الغرائز الشعبوية البسيطة.

وهو الخطاب الذي حمّل فيه رئيس السلطة (أبو مازن) وحركة «فتح» أوزار كل المرحلة الماضية، وشمل ذلك المسؤولية عن الحصار الدولي والإقليمي المفروض على السلطة الفلسطينية! لكن على الرغم من الدور الذي لعبه هذا الخطاب «الحمساوي»، في الاحتكاكات المؤسفة بين منتسبي حركتي «فتح» و«حماس»، في الضفة والقطاع، إلا أن هذا الخطاب، والتداعيات التي نجمت عنه، كشفا عن المستور في حقيقة العلاقات الداخلية المتردّية في الساحة الفلسطينية، والعقليات المتخلّفة التي تقودها، والعصبيات الفصائلية السائدة فيها.

والثابت أن الأزمة الفلسطينية الحاصلة ليست مجرّد أزمة فساد، ولا مجرد أزمة تنازع على الصلاحيات (بين مؤسستي الرئاسة في السلطة)، كما أنها ليست أزمة تداول للسلطة (بين «فتح» و«حماس»)، على أهمية كل هذه الأمور.

في الواقع فإن الأزمة السياسية الفلسطينية الحاصلة إنما هي في حقيقة الأمر انعكاس طبيعي لأزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وانسداد آفاقه، بعد الإخفاق الحاصل في مشروعي الانتفاضة والمفاوضة.

وبديهي أن هذا الإخفاق تتحمّل مسؤوليته مجمل مكوّنات الحركة الوطنية الفلسطينية (سلطة ومعارضة)، كل بحسب حجمها ودورها.

طبعا يمكن إحالة بعض من المسؤولية عن هذه الأزمة إلى العامل الخارجي، أيضاً، باعتبارها امتداداً طبيعياً لتأزّم، أو تراجع، مكانة القضية الفلسطينية على الصعيدين العربي والدولي، في المعطيات السائدة، كما للحصار الإسرائيلي والأميركي المضروب حول السلطة، بقيادة حكومة «حماس» حالياً.

لكن، على الرغم من أهمية كل ما قدمناه، فإنه من وظائف حركات التحرر الوطني (كما الأحزاب التي تسعى للتغيير)، وعي طبيعة العالم من حولها، وإدراك دورها في صراع موازين القوى، وتقدير جسامة الأزمات التي يمكن أن تعترضها، في طريقها لتحقيق أهدافها.

كذلك فإن هذه الحركات والأحزاب تدرك بأن أعداءها لن يسهّلوا الأمر عليها، بل على العكس من ذلك، فهي تضع نصب أعينها أن هؤلاء سيقومون بكل ما من شأنه العمل على تقويض إمكانياتها وتبديد طاقاتها واستنزاف قدراتها، لإنهائها أو تجويفها، أو فرض الاملاءات عليها.

المشكلة أن حركة التحرر الفلسطينية (في السلطة والمعارضة) لا تتصّرف بناء على ذلك، فهذه الحركة، بمجمل تكويناتها تصرّفت منذ قيامها على أساس أنها سلطة (ولو في المنفى).

ولو كانت هذه السلطة معنوية أو مجرد مؤسسية، أي من دون إقليم جغرافي تسيطر عليها، على الرغم من أن هذه السلطة تعمّدت خلق حيز جغرافي لممارسة السلطة عليه، وفي محيطه (المخيمات والقواعد العسكرية ومكاتب الأجهزة).

ولاشك أن هذا التصرّف الغريب جعل الحركة الوطنية الفلسطينية في موقع ملتبس، بين السلطة وحركة التحرر.

وبديهي أن هذا الالتباس أدخل هذه الحركة بإشكالات واحتكاكات عديدة وخطيرة ومجانية، مع شعبها وفيما بين مكوناتها ومع محيطها (الأنظمة السائدة).

ومشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية، أيضا، أنها منذ قيامها تأسّست على تقديس الكفاح المسلح، والإعلاء من شأن العسكرتارية، في الفكر والممارسة السياسيين، تحت شعارات من مثل: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، و«ديمقراطية البنادق»، و«لتتحد الجهود في أرض المعركة».

والمعنى من ذلك أن الكفاح المسلح الفلسطيني تجاوز توظيفاته الوطنية (ضد العدو)، وبات له وظائف داخلية، في تعزيز قوة الفصيل المعني، وضبط العلاقات الداخلية، والقيام بوظائف سلطوية في المجتمع الفلسطيني، حيث أتيح المجال لذلك.

وكانت النتيجة تضخّم الأجهزة الأمنية والعسكرية، على حساب العمل السياسي والتنظيم الجماهيري والمشاركة الشعبية.

ولاشك أن هذا الواقع في ظل تدنّي مستوى الوعي السياسي وضعف علاقات الديمقراطية والمشاركة أفسح المجال لنمو ثقافة العنف الداخلي في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية، وإن ظلّ هذا العنف مسيطرا عليه، من فوق، أي من الطبقة السياسية السائدة في الساحة الفلسطينية، في السلطة والفصائل.

كذلك تبدو مشكلة حركة التحرر الفلسطينية في تغليبها اللغة الشعاراتية ـ العاطفية، على حساب الوعي السياسي الواقعي.

والمعضلة أن قضية على مستوى كبير وعميق من التشابك والتداخل والتعقيد، مثل القضية الفلسطينية، لا تحتمل مثل هذه اللغة التي تخاطب غرائز الجماهير، البسيطة والمغلوبة على أمرها وواقعها المرّ، أكثر من عقلها، والتي تخاطب رغباتها أكثر من إمكانياتها، والتي تقدس بذل التضحيات للسماء أكثر مما تبحث عن تحقيق الإنجازات على الأرض.

وبديهي أن النتيجة الطبيعية لهكذا خطابات هي الوصول لنوع من الاصطفافات الثنائية الحادة التخوينية أو التكفيرية، فإما وطني أو خائن، مناضل أو مستسلم، معي أو ضدي، وهي ثنائيات لا تصلح للواقع الفلسطيني المعقّد والمتداخل مع الواقع العربي والدولي السائد، كما أنها تضرّ بالوعي الشعبوي، لأنها تشيع خطابات توتيرية، وتخلق حالة من التخندق والتحارب الداخلي، الذي لا يخدم إلا الأعداء.

كذلك فإن هكذا خطابات تتناقض مع الديمقراطية والحق في الاختلاف واحترام الرأي الآخر، كونها تركز على التطابق وليس على التقاطع، ما يهدد التنوع والتعددية اللتين طالما اغتنت بهما الساحة الفلسطينية.

أخيراً فإن مشكلة الحركة الفلسطينية أنها تبدو سهلة وسريعة الاستدارج، إزاء محاولات إسرائيل تصدير أزماتها إليها، بسبب هشاشة مؤسّسات هذه الحركة وغياب الثقة بين أطرافها، وضعف الإجماع داخلها، وتدنّي مستوى وعيها وإدراكها للتحديات التي تواجهها.

ويبدو من الأزمة الفلسطينية الحاصلة أن إسرائيل نجحت في تحويل انسحابها (أو هزيمتها) من قطاع غزة إلى أزمة للفلسطينيين.

وأنها استطاعت تحويل المأثرة الفلسطينية، المتعلقة بالانتخابات والديمقراطية وتداول السلطة، إلى عبء عليهم.

وكانت إسرائيل، في مراحل سابقة، حولت بعض الوسائل الكفاحية الفلسطينية إلى عامل ضاغط على الفلسطينيين، من مثل الإضراب عن العمل في المؤسسات الإسرائيلية، والمقاطعة التجارية وصولا للعمليات التفجيرية، إذ أنها استطاعت استبدال العمالة الفلسطينية بعمالة أجنبية، ثم إنها مقابل المقاطعة تعمدت فرض حصار اقتصادي على الفلسطينيين، أما في مواجهة العمليات التفجيرية فأقامت الجدار الفاصل.

وهاهي إسرائيل اليوم تسعى نحو تحويل انسحابها من أجزاء من الضفة إلى عامل حصار وعزل وضغط على الفلسطينيين، بدل أن يتحول إلى إنجاز وطني لهم، مع أنه كذلك بكثير من المعاني.

وبهذا المعنى فإن هدف الاستقلال في دولة فلسطينية، في هذه المعطيات المحلية والإقليمية والدولية، بات يبدو بمثابة أنشوطة تضيق الخناق على الشعب الفلسطيني وقضيته ومستقبله.

النتيجة أن الحركة الوطنية الفلسطينية معنية بإعادة بناء ذاتها، للتخلص من أزماتها الداخلية العضوية، وهذا يتطلب ليس فقط إعادة بناء البيت الفلسطيني (منظمة التحرير) فحسب.

وإنما يتطلب أولاً وأساساً، إعادة بناء الوعي السياسي الفلسطيني، وإعادة بناء مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، على أسس جديدة، وبالاستفادة من التجربة السابقة، وعلى أساس الحق في الاختلاف والتعددية والتنوع.

بالإجمال لقد أخطأت «حماس» (أو بعض قيادييها)، في محاولاتها شطب تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية قبلها، وترويجها لاحتكارها الوطنية والمقاومة المسلحة، وفي طعنها في شرعية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، وفي تشويهها لتاريخ «فتح» بقيادييها ومناضليها، لكن هذه الأخطاء يمكن معالجتها ووضع حد لها، بالحوار وببناء جسور الثقة.

ولكن المطلوب أكثر من ذلك، أي إخراج حركة التحرر الفلسطينية من الأزمات العضوية المعشعشة فيها، كي تكون أكثر قدرة ونجاعة في إدارة صراعها مع عدوها، وتحقيق الإنجازات لشعبها.

كاتب فلسطيني