في هذا الوقت، وفي هذه الظروف العصيبة على العرب، وبينما الشعب الفلسطيني يعاني حصاراً تجويعياً من الاحتلال الإسرائيلي، ويذوق الأمرين ليعيش يومه، هناك من العرب من يستسيغ التضييق على الفلسطينيين، والمشاركة في حصارهم من خلال سد الطرق وإغلاق الأبواب أمام حكومتهم الوطنية المنبثقة عن انتخابات ديمقراطية، التي يجول أعضاؤها في الشرق والغرب من أجل توفير لقمة العيش لإخوتهم وأبنائهم المحاصرين في الضفة والقطاع.

نعم، للأسف الشديد، هناك من العرب من يتطوع للمشاركة في محاصرة الفلسطينيين، وتوجيه الاتهامات لحكومتهم، وابتداع المسوغات إن اقتضى الأمر من أجل ذلك، حتى وإن كانت مسوغات ساذجة لا يقبلها عقل. ‏

ولأن سورية تبذل ما تستطيع من جهد ومال لتيسير أوضاع الأشقاء الفلسطينيين، وتعلن ذلك على الملأ دون خشية من التهديدات الأميركية، فلا بأس أن يصيبها هؤلاء العرب ببعض ما ابتدعوا من اتهامات، فالإرادة الأميركية­ الإسرائيلية عندهم أولوية، وفوق كل شيء، أما الأخوّة والعروبة والواجب الإنساني فيمكن تأجيلها إلى حين! ‏

وهذا بالطبع لا يقبل التعميم بشكل من الأشكال، فالشارع العربي بمجمله ودون أي نقصان يتمزق ألماً لمأساة فلسطينيي الضفة والقطاع، والأغلبية العظمى من الحكومات العربية بذلت ما في وسعها لتحفيف أعباء الحصار، وأعلنت عن تقديم مساعدات مالية عاجلة على هذا الصعيد، والأمر لا يتوقف هنا عند قطر والسعودية والكويت، فهناك حكومات عربية قدمت ولا تزال تقدم المساعدات بأشكال مختلفة ودون أية منة، ولكن هناك من يصرّ على الوقوف في الجانب الآخر، وعلى التغريد منفرداً خارج السرب، فقط لأن الأميركيين والإسرائيليين يريدون ذلك زوراً. ‏

هذه الأوضاع العربية وما يشوبها من انغلاقات وارتدادات وتبعيات تدعو للدهشة الشديدة، وتدفع لطرح عشرات التساؤلات عن الأسباب والنتائج والاحتمالات القائمة، فأين الأخوّة والعروبة...؟ أين الشهامة والإنسانية....؟ أين الإسلام وعدالته...؟ أين الكرامة والحقوق القومية؟ ‏

ومع ذلك لا بد من تذكير هؤلاء الخارجين من الصف العربي أن فعلتهم سترتد عليهم، وأنه ليس بوسعهم أن يحققوا ما عجزت «إسرائيل» عن تحقيقه في حربها المستمرة على الشعب الفلسطيني الذي اعتاد مثل هذه المواقف والنواقص وألف الحرمان والقلة، ولكنه استعصى على الإخضاع... ولا بد من تذكيرهم بأن دولاً أجنبية وليست عربية كروسيا وسويسرا وإيران والنرويج وتركيا وغيرها رفضت الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وقدمت مساعدات مالية وسياسية، فلعل التذكير ينفع هؤلاء العرب المنهمكين في تشديد الحصار على أشقائهم، والمشغولين في «فبركة» الاتهامات. ‏