يبدو أن السياسة الأميركية المعلنة حيال نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط بدأت بالتراجع وبالتغيير تدريجياً، وأن إدارة الرئيس جورج بوش قررت إدخال تعديلات جذرية لسياستها.
وإن لم تعلن بصورة رسمية حتى الآن، بعد أن توصلت إلى الاقتناع ولو ضمنياً بأن الأولويات والأهداف التي كانت حددتها لنفسها، واعتمدتها كأساس لسياستها وتوجهاتها الاستراتيجية خلال السنوات القليلة الماضية في هذه المنطقة، لم تعد تجدي نفعاً أو أنها أصبحت في الواقع عبئا لا تريد الولايات المتحدة ولا تستطيع تحمل التبعات والمسؤوليات الناجمة عنها.
هذه السياسة التي ولدت نتيجة لهجمات سبتمبر 2001 الإرهابية، والتي تركزت على ضرورة العمل على نشر الديمقراطية والإصلاح في المنطقة، ورفع الغطاء عن أنظمة الحكم التي اعتبرتها واشنطن عائقاً أمام تحقيق أهداف الديمقراطية والإصلاح والتحديث.
وبالتالي جزءاً من المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة ومصالحها، بما فيها الأنظمة التي تعتبرها واشنطن حليفة لها ومؤيدة لها ولسياساتها العامة في المنطقة.
والسؤال هو ماذا حل بالنظريات الأيديولوجية والراديكالية التي جاء بها المحافظون الجدد الذين أرادوا إعادة رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للمنطقة؟
سؤال مطروح بعد الفشل الكبير الذي منيت به الولايات بسبب غزوها العراق وإسقاط نظام الحكم وهو الشيء الوحيد الذي تنظر الإدارة الأميركية إليه على أنه إنجاز استراتيجي وأحد أهم الأهداف المعلنة لإعلان الحرب على العراق.
ولكن ما ان تحقق هذا الهدف الاستراتيجي المعلن بدا واضحاً أن واشنطن أصبحت غير قادرة على إقامة نظام حكم بديل يكون قادراً على إعادة إعمار العراق وبناء مؤسساته على مرتكزات ديمقراطية متوازنة ومستقرة وحقيقية، ما يؤهلها في المستقبل المنظور أن تكون نموذجاً يحتذى به في دول الشرق الأوسط.
وعلى العكس تماماً مما كان مرجواً لها ومتوقعاً منها، فالعراق تحول بسرعة بعد سقوط النظام العراقي السابق إلى بؤرة لصراعات طائفية ومذهبية متصاعدة في ظل حرب أهلية جارية ولكن غير معلنة.
وإلى مصدر حقيقي لتهديدات وأخطار متزايدة من جانب القوى الأرهابية والمتطرفة، التي كان يفترض بالغزو الأميركي للعراق أن يعمل على منعها والقضاء عليها في حال حدوثها.
كما أن العراق تحول إلى ساحة خصبة للنفوذ الإيراني المتنامي والمباشر. وهذا النفوذ الإيراني القوي بدأ ينجح في فرض وجوده على الساحة العراقية واضطرت واشنطن إلى الاعتماد على قوى وأطراف تدين بالولاء أساساً لإيران.
وإلى حد باتت الإدارة الأميركية في حاجة إلى مساعدة طهران وتعاونها بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوضع العراقي الحالي وتفاعلاته المتلاحقة للحؤول دون إفلات ذلك الوضع من زمام السيطرة، وتحوله إلى ساحة مفتوحة لحرب أهلية شاملة قد تمتد انعكاساتها وتتسع إلى المنطقة المجاورة.
وبالمقابل تجد الإدارة الأميركية نفسها في العراق مواجهة بالتمرد السني المتصاعد وقوى جهادية وسلفية وإسلامية ترى فيها الإدارة الأميركية أهدافاً معادية أساسية في إطار الحرب المضادة للإرهاب التي أعلنتها واشنطن ضد تيارات «التطرف الإسلامي» في أعقاب هجمات سبتمبر 2001.
وإذا كانت الإدارة الأميركية لم تصل بعد إلى حد الإقرار بفشل السياسة التي اعتمدتها حيال المنطقة وأزماتها خلال السنوات الماضية، فإن مؤشرات عديدة بدأت في الظهور تدريجياً خلال الفترة الماضية تدل بوضوح على أن الإدارة الأميركية أدخلت تعديلات مهمة على أهدافها وأولوياتها الاستراتيجية في المنطقة.
وأبرز هذه المؤشرات الدالة على بدايات التغيير الحاصلة في السياسة الأميركية، والتي جرى التعبير عنها في صورة علنية حتى الآن، تلك التي تمثلت في التصريحات المفاجئة التي صدرت عن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، أثناء زيارتها الأخيرة إلى بريطانيا.
والتي اعترفت فيها بأن الولايات المتحدة «ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية» في تعاملها مع الوضع العراقي بعد سقوط النظام السابق.
هذا التصريح وإن لم يقل صراحة لحد الاعتراف بفشل السياسة الأميركية في العراق، لكنه عكس، إلى حد كبير، مدى الشعور بخيبة الأمل حيال ما وصلت إليه الأمور في العراق، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها مواجهة بمأزق سياسي واستراتيجي حقيقي لا يبدو أن ثمة مخارج سهلة منه.
وتتضاعف حدة المأزق الأميركي في مواجهة الوضع المتدهور في العراق عند الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن طهران، التي باتت واشنطن تحتاج إلى العون منها للعمل على تهدئة الأوضاع في العراق وحلحلة بعض تعقيداته، هي نفسها الطرف الذي تقول الإدارة الأميركية انها تشكل التهديد الأخطر لسياستها ومصالحها ولحليفتها إسرائيل.
لا سيما في ضوء البرنامج النووي الذي تعمل إيران على تنفيذه حالياً، ومن خلال التحالف الاستراتيجي الذي يربط إيران بدول وأطراف إقليمية مناهضة للسياسات الأميركية في المنطقة مثل سوريا وحزب الله اللبناني وحركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأميركية التي طالبت بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في فلسطين المحتلة رفضت بشدة التعاطي مع نتائج هذه الانتخابات بدعوى أن الأطراف المنتخبة شعبياً، كحركة حماس، تندرج في قائمة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، وأن البرنامج السياسي الذي تعلنه حماس لا يصب في مصالح الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
وبالتالي أصبحت تطالب واشنطن وإسرائيل إلغاء هذه الانتخابات وانتهجت فوراً سياسة الحصار المالي والسياسي والدبلوماسي ضد المنتخبين شعبياً لاستعادة الوضع الذي كان قائماً قبل بدء الانتخابات.
وأيضاً بدأت واشنطن تتراجع في مطالباتها لنشر الديمقراطية في مصر بعد أن تأكدت من احتمال فوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية وغضت النظر عن التجاوزات الكثيرة التي مارستها بعض السلطات المصرية أثناء إجراء الانتخابات تداركاً منها أن النتائج لن تصب في مصلحة الولايات المتحدة على المديين المتوسط والبعيد.
وتظهر المفارقة الأساسية الثانية في السياسة الأميركية المتبعة حيال الشرق الأوسط من خلال التصريحات التي أدلى بها مؤخراً الرئيس بوش والتي تعهد فيها بتصميم واشنطن على «الحؤول دون نجاح المتشددين في إسقاط الأنظمة المعتدلة في المنطقة».
وعلى الرغم من عدم تحديد تلك الأنظمة المعتدلة فإن الرئيس بوش وإدارته كانا حتماً يقصدا الأنظمة التي سبق لهما أن وجها لها اتهامات رسمية وغير رسمية وعبرا عن عدم رضا الولايات المتحدة عنها، وانتقادها لأدائها غير الديمقراطي ولممارساتها التي اعتبرتها سبباً رئيسياً في تشجيع اتجاهات التشدد والتطرف في مجتمعاتها وخارجها.
والواضح الآن أن إدارة بوش، وبعد سنوات على تبنيها دعم شعار نشر الديمقراطية والإصلاح والتحديث في منطقة الشرق الأوسط باتت تفضل وضع ذلك النهج جانباً، أو ربما التخلي عنه عملياً.
أو أنها قررت التخلي عنه عملياً، بعد أن توصلت من جديد إلى اقتناع بأن العديد من الأنظمة العربية لا تزال تشكل ركائز أساسية لا غنى عنها في إطار التحالفات الثنائية والإقليمية التي تحتاجها الولايات المتحدة في سياق جهودها الأمنية والسياسية الهادفة إلى محاربة التيارات المتشددة والجماعات الإرهابية التي تخشى واشنطن تزايد نفوذها في المنطقة، وإمكانية نجاحها في السيطرة على دول عديدة في المنطقة.
إن دعوات السياسيين والمنظرين والمحللين السياسيين الأميركيين لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط التي بدأت بعد هجمات سبتمبر تراجعت كثيراً بل بدأت تختفي لأنها لم تكن ترتكز على مستندات رسمية للسياسة الأميركية.
بل كانت مجرد مقولات نظرية وطروحات إيديولوجية جاءت كرد فعل لأحداث في الولايات المتحدة ولم تتحول إلى سياسات استراتيجية حيال المنطقة تتبناها هذه الإدارة والإدارة الأميركية التي ستخلفها في الانتخابات الرئاسية الأميركية بعد حوالي عامين من الآن.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com