لعل أفضل وسيلة للحوار في المسائل الشائكة هو الانطلاق من أدب السلف في هذا المجال المبني على قاعدة «أن رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأيي خطأ يحتمل الصواب».

وطَرق هذه المسائل لا يأتي من باب الترف الفكري أو محاولة الاستعراض، وإنما ناجم عن شعور الكاتب بالمسؤولية بقضايا أمته وتطورها وبالتزامه بإيجاد حلول لها خاصة تلك المتفجرة منها أو التي تعيق التطور واللحاق بالأمم المتقدمة. وقد تكون علاقة الدين بالدولة والمجتمع من أهم تلك القضايا التي باتت تؤرق رجل الشارع فضلاً عن متخذ القرار.

ويلاحظ المرء ذلك الخلط الكبير في المفاهيم وعدم استيعاب مغزاها ومراميها عند الكثيرين ممن يتناولون تلك العلاقة وتحديداً مفهومي الدولة والمجتمع.

إن هذين المفهومين عند الكثيرين يشيران إلى حقيقة واحدة أو كيان بعينه، في حين أن الدولة هي الجهاز الذي ابتدعه البشر لتنظيم وتسيير أمور حياتهم صوناً لها من الفوضى والاضطراب.

أما المجتمع فهو الوعاء الكبير الذي يضم الأفراد والجماعات، حيث تقوم بينهم شتى العلاقات، وحيث ينتظمون في مؤسسات مختلفة. والدين هو الكيان الروحي لأفراد المجتمع وهو منبع الأخلاق.

وكانت تلك الكيانات الثلاثة، نقصد الدين والدولة والمجتمع، متطابقة أشد التطابق في المجتمع البدائي الصغير، ذلك أن أفراده كانوا يدينون بدين واحد ينظم جميع شؤون حياتهم، وكانت أمور الجماعة بيد أكثرهم شجاعة وحكمة أو خبرة أو كبراً في السن.

ولم يكن هذا الأمير أو الشيخ متمايزاً عن بقية أفراد جماعته في شيء. ومع تقدم الإنسانية بفعل تزايد السكان واختلاط الجماعات المختلفة وتداخلها بفعل الغزو والهجرة، نشأت تجمعات أكبر تحولت مع التطور إلى الإمبراطوريات التي سادت عصور الحضارة الأولى، مروراً بالعصور الوسطى.

تباينت الكيانات الثلاثة في تلك العصور فأضحى دين الدولة هو دين الحاكم، وأمست الدولة أداة للحاكم والطبقة المحيطة به، وانقسم المجتمع إلى طبقات وجماعات تختلف في أديانها ومذاهبها بل وفي لغاتها وأصولها العرقية.

لم تفلح الإنسانية بعد ذلك العهد البدائي أن توحد المجتمع على دين واحد أو مذهب واحد، ولعل ذلك ظاهر في الأديان السماوية الثلاثة التي انقسمت إلى فرق وشيع ومذاهب كثيرة بعد ظهورها بفترة.

وكانت ترافق تلك الانقسامات حروب طاحنة باسم الدين لعل أبرزها في العصر الحديث تلك التي وقعت بعد ظهور المذهب البروتستانتي على يد الألماني مارتن لوثر في العام 1517م. وقد مثلت تعاليم هذا المذهب قاعدة لانطلاق الرأسمالية كما ذهب عالم الاجتماع ماكس فيبر.

وقد قَوّى هذا المذهب النزعة القومية في أوروبا التي تبلورت فيما سمي بالدولة القومية، وأضحت النزاعات الدينية الطائفية تمتزج بالتباينات القومية، كتلك التي حدثت في منطقتنا بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية.

وقد اتعظت الولايات المتحدة الأميركية في نشأتها الأولى من تلك الحروب الطاحنة التي كانت تدور رحاها في أوروبا باسم الدين وذلك الاضطهاد الديني الذي كان يلقاه هذا الفريق أو ذاك، علماً بأن معظم سكانها الأوائل كانوا من المهاجرين الذي فروا بدينهم إلى أرض يستطيعون فيها ممارسة شعائرهم بحرية.

وقد جاء دستور الولايات المتحدة الذي أقر في العام 1778م ليضمن الحقوق الدينية وليجعل مؤسسة الدولة محايدة من الناحية الدينية. وقد اتخذت الجمهورية الوليدة شعار النسر الذي يعيش في تلك الأصقاع شعاراً وطنياً لها، وهذا الشعار ليس له دلالة دينية.

وهكذا، كانت الولايات المتحدة الأميركية أول دولة علمانية فصلت الدين عن الدولة دون أن تفصله عن المجتمع، الذي كان منقسماً و ومازال إلى شتى الأديان والمذاهب. وبهذا العمل نأت الولايات المتحدة بمجتمعها عن الصراعات الدينية منذئذ، ونعمت بجو من التسامح الديني قل نظيره.

وما زال الصراع في أجزاء أخرى من العالم على هوية الدولة قائماً وبالذات في مجتمعاتنا وفي تلك المجتمعات التي تشاطرنا في سماتها البنيوية، خذ مثلاً ما نشرته جريدة البيان الغراء (13/1/2006) بعنوان:

«المسلمون يحتجون على إعلان زامبيا دولة مسيحية»، وقد جاء في الخبر أن مسلمي زامبيا احتجوا على «إعلان زامبيا دولة مسيحية واعتبروا الإعلان تمييزاً وغير مناسب وهو يؤدي إلى «إثارة روح الكراهية ضد العقائد الأخرى» و« يناقض الديمقراطية وينتهك حقوق الإنسان».

ونحن نتفق مع هذا الرأي، وإن كان المسلمون في زامبيا يمثلون أقلية مع عدد السكان البالغين أحد عشر مليونا ونصف المليون، 50 إلى 75% تقريباً منهم من المسيحيين، و24 إلى 49 % منهم من المسلمين والهندوس، وواحد بالمئة منهم من أتباع الديانات الوثنية، وهي الديانات الأصلية.

فالدولة كجهاز للحكم يجب أن لا تتبنى دين أو مذهب مجموعة من مواطنيها مهما كثر عددهم وعلت نسبتهم، ذلك أن الدولة هي ملك لجميع مواطنيها، ورموزها هي الرموز الوطنية التي يتشارك فيها جميع مواطنيها.

ونحن هنا نريد أن نتساءل: أليست تلك الاعتراضات التي يسوقها مسلمو زامبيا هي اعتراضات وجيهة يمكن أن تصدق على واقع الدولة في أقطارنا العربية والإسلامية؟

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com