بعد استكانة قصيرة، في أعقاب حلّ عقدة الأسماء للرئاسات الثلاث، بدأت الساحة العراقية تبعث برسائل مشوشة وعلى ذبذبات مختلفة، منها الواعد. أو على الأقل يوحي بأنه واعد، ومنها المقلق الذي يؤشر الى احتمال وقوع تطورات سلبية.
الأولى، تبشر بانفراجات وخطوات انتقالية نوعية على طريق استكمال العملية السياسية الكفيلة بإخراج البلاد من النفق ـ اذا استوفت شروطها الضرورية.
الثانية، تؤشر الى العكس، فهي تهدد بنسف ما حصل من هذه العملية، أو بالتخريب المديد عليها في أحسن الأحوال.والملفت ان كل هذه الرسائل صدرت بالتزامن. الأمر الذي زاد من البلبلة وأحاط الوضع بالكثير من علامات الاستفهام والترقب الحذر.
رئيس الحكومة المكلف، نوري كامل المالكي أطلق وعدين هامين: انه يعتزم الانتهاء من تشكيل وزارته في غضون 15 يوماً ـ وانه سوف يعمل لحل كل الميليشيات بعد جمع سلاحها، والحاقها بالجيش العراقي الناشئ.
وجاء كلامه هذا بصيغة العزم والتصميم على تحقيق ما طرحه. الأمر الذي أشاع جواً من الارتياح ولو مع التحفظ، اذ انه قطع الطريق على التخوف من حصول جرجرة في عملية تأليف الحكومة.
وبالتالي فهو ترك الانطباع بأن قطار الحكم بات على وشك مغادرة محطة الجمود، الأهم من ذلك كلامه عن الميليشيات، وأهميته تكمن في أنه يضع الاصبع على واحدة من معضلات القضية العراقية، التي لا يستقيم الحديث والعمل حول إعادة بناء الدولة من دون التصدي لها، بموازاة العمل للخلاص من الاحتلال.
لكن ما أن طرح هذا الموضوع وبدأ الجدل حوله، حتى بدأت رسائل التشويش والإرباك تتوالى! التوتر المفاجئ الذي ساد أجواء مدينة كركوك، من خلال الاستنفارات المسلحة التي شهدتها واحد منها، وكأن ذلك جاء بمثابة الرد على التصدي لموضوع السلاح والميليشيات.
كما حضر فجأة، الى جانب ذلك، خطاب التوتير المذهبي بطبعة جديدة والاستقطاب المناوئ لعملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الموعودة. الأمر الذي وضع العملية السياسية أمام تحديات جديدة، لا تقوى على تجاهلها.
وبالتحديد ،التحدي المتمثل بالخطاب المذهبي الذي هدد من البداية باشعال حرب أهلية، يرى البعض انها بدأت بالفعل.
العراق عانى ودفع فوق الاحتمال، بسبب الدوران في الحلقة المقفلة والفراغ السياسي الذي صب الماء في طاحونتها. المطلوب الآن البدء في ترجمة هذه الخطوات.
والمدخل ليس في أقل من الإسراع في تركيب الحكومة العتيدة وإعلان برنامج جديد وطموح لها. علّ ذلك يؤدي الى قطع الطريق على محاولات الفركشة والتأزيم الطائفي والعرقي. فرئيس الحكومة المكلف أعلن التزامه بخطوات تلقى الترحيب.
ان ما تردد الآن عن مخاوف من صدام شيعي كردي في كركوك من شأنه ان يزرع لغماً جديداً ومن العيار الثقيل، في طريق الحكومة قبل ان تبصر النور. بل قد يمنعها من ان تبصر النور. وبالتالي يزيد من الموانع في طريق النهوض المتعثر أصلاً، بحيث يعود الانتعاش الى احتمالات الاشتباك الأهلي الذي يشكل مع الاحتلال خلطة تقضي على مقومات الدولة العراقية.