أقامت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الاميركية الدنيا ولم تقعدها حتى الساعة، لا لشيء إلا لإسقاط الحكومة الفلسطينية الجديدة التي شكلتها حركة المقاومة الاسلامية( حماس) بعد فوزها الساحق في الانتخابات البرلمانية.
وبدلا من تشجيع هذه الخطوة باعتبارها تحولاً تاريخياً لمسار الحركة يدمجها في العملية السياسية واللعبة البرلمانية الديمقراطية، جاء الاستقبال الاميركى مغايرا وانقلابيا ومعاديا لقواعد الديمقراطية.
وتبنى التحريض الدولي والاقليمي لافشال الحكومة، أولا تحت دعوى انها تؤسس لسلطة إرهابية، وثانيا لانها ترفض الاعتراف بإسرائيل، وثالثا لانها تؤيد المقاومة التى تعني في القاموس المخادع « الارهاب».
ولأننا، كما هو ظاهر للعيان، أصحاب ذاكرة مثقوبة، وأحيانا يفوق ثقبها ثقب «الأوزون»، ينبغي ان ننشط هذه الذاكرة ، ونستعيد شريط الاحداث القريبة، منذ فشل قمة «كامب ديفيد الثانية، بين الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك، برعاية الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون، والتي ألقي باللوم فيها على عرفات.
لانه رفض صفقة التسوية، التي وضعت التنازل عن القدس واسقاط حق العودة في كفة واكمال الانسحاب من معظم - وليس كل- الاراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة قى كفة أخرى.
وهى مقايضة لم يكن ليقبل بها عرفات، بحكم رؤيته لنفسه كزعيم تاريخي، ومن واقع قراءته لتجارب آخرين، استسهلوا التفريط، ولم يقدروا على لحظة الصمود.
كماهو معروف، توالت الأحداث بعد تدنيس الارهابي ارييل شارون لساحة المسجد الاقصى ، مخفورا بحراسه من جنود جيش الاحتلال وقطعان المتطرفين الصهاينة، الأمر الذي فجر انتفاضة الأقصى، وجاء بشارون على رأس الحكومة الاسرائيلية المستمرة حتى الان رغم الموت السياسي المفاجئ له، وفقدانه لاي اهلية تتيح له ممارسة الحياة.
من رحم الصراع بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال، ولدت كل المتغيرات الراهنة على الساحة، دون ان نتجاهل تأثير البيئة الاقليمية والدولية الخصبة لازدهار وسطوة الحل الصهيو أميركي، فمن جهة لم تفلح كل الاجتياحات والتوغلات العسكرية الإسرائيلية، بكل اسمائها المثيرة في تركيع الشعب الفلسطيني.
ولم تفقده الثقة في قدرته على المقاومة رغم غياب الاسناد والدعم الرسمى العربى، بل على العكس، توجت تلك الملحمة الاسطورية بانسحاب قوات الاحتلال من غزة وفككت المستوطنات اليهودية،صحيح ان الثمن كان باهظا، تمثل في شلال من دماء الشهداء،الذين امنوا بان الحرية لا توهب ولا تمنح على طاولة التفاوض، بل تنتزع في ساحة النضال.
الامر الاخر ان سنوات الانتفاضة افرزت فلسطينيا وعربيا، نهجين من التفكير السياسي، احدهما يؤمن بالمقاومة وبالحقوق العربية المشروعة، ويعي الأهداف المرحلية والبعيدة للمشروع الصهيو أميركي، والآخر نهج مراوغ مخادع يجمل انبطاحه وخواءه وهزاله بغلالة من الشعارات البراقة عن التسوية والمفاوضات والسلام والشراكة.
ويزيد بجلد الذات العربية، ناعيا الفرص الضائعة منذ نكبة اغتصاب فلسطين، مرورا بمبادرة الرئيس المصرى انور السادات، ويبكينا على كوب اللبن المسكوب، واننا لا نستطيع الحصول الان على مارفضناه في السابق، وهو حديث « افك» لانه يجرد الاحداث من سياقها التاريخى ويدعى الحكمة باثر رجعى.
والصحيح اننا نخسر دائما بسبب هؤلاء «المنبطحين» الجبناء الذين يحاربون بسيف الشيطان وتحت رايته، ويزعمون انهم يقيمون جنة الله على الارض.
الان، توضع عصي كثيرة في دولاب عمل حكومة حماس، وللأسف كثير منها من صناعة وطنية، وإقليمية عربية، لن تصب نتائج هذه اللعبة الشيطانية في قناة هؤلاء من ابناء وطننا، بل ستصب في جيوب الطغمة الصهيونية الحاكمة في تل ابيب.
حيث يدور الحديث في المحافل العسكرية والاستخباراتية والبحثية عن سيناريوهات اليوم التالي لسقوط حكومة حماس، تحت تأثير الحصار والتجويع.
والترهيب وتسريع عجلة العدوان والاغتيالات، والإرباك الدبلوماسي، والضغوط، اي ببساطة وضع العقلية المخططة لهذه الحكومة الوليدة في خانة رد الفعل، غير المدروس، وانهاكه بالمفاجآت، والضربات.
وجعله في موقف الخاسر دائما، فان قبل بالتفاوض، واعترف بإسرائيل، يكون قد خسر ورقته الرئيسية، ولن يحصل على شيء، وان رفض فسيلقى مصيره ويتم تحميله مسؤولية تجويع الشعب، وعدم تحقيق اى مكسب سياسى.
لكن كثيرين ممن يسعدهم سيناريو اسقاط حماس ينسون انهم اول من سيدفع الثمن الباهظ، وستجرفهم دوامة الفوضى في اليوم التالي لسقوط هذه الحكومة.