ليس مفهوما لماذا تصر أميركا على أن تجعل من قضية الحرب على الإرهاب هدفا تتراجع دونه أولويات إعادة الإعمار ومكافحة الفقر في بؤر التوتر التي أحدثتها بنفسها، على الرغم من إخفاق تلك الاستراتيجية في تحقيق ما كان مرجوا منها، إذ ثبت بالتجربة أن التفرغ الكامل لمطاردة فلول الإرهابيين في أنحاء العراق وأفغانستان لم يوفر لأميركا الحل السحري الذي تحلم به لمعالجة إخفاقاتها العسكرية وتحقيق الأمن المجتمعي في هاتين الدولتين.
لقد أجمع كافة المسؤولين المعنيين ببرامج إعادة الإعمار على أن التباطؤ في هذا الجانب سيعرقل أي جهود تبذل لمكافحة الإرهاب.
وكان بإمكان أميركا تحييد آلاف المواطنين الساخطين على تردي أوضاعهم الحياتية، من تقديم أي تعاطف أو دعم للإرهابيين إذا ركزت أكثر على إعادة تأهيل البنيات الأساسية المتهالكة في العراق وأفغانستان.
وعلى الرغم من مرور أكثر من 4 سنوات من بدء الحرب على الإرهاب لم تقطف أميركا إلا النزر اليسير من الثمار، فأفغانستان يتنازع أوصالها الآن أمراء الحرب وبارونات المخدرات. أما العراق فقد تحول إلى حقل مفتوح للقتل وإراقة الدماء وإلى ساحة لانتهاكات حقوق الإنسان، والنتيجة تفاقم الغضب وزيادة حدة العداء للولايات المتحدة في أجزاء عريضة من العالم.
ولا تزال كافة برامج إعادة الإعمار رغم مرور هذه المدة الطويلة، تراوح مكانها بعد تقليص ميزانياتها لحساب المجهود الحربي، واكتشاف عمليات فساد مالي في الجزء الذي نفذ منها وبذلك تكون إدارة بوش قد أضاعت فرصة ذهبية للقضاء على مظاهر التطرف بسبب غموض أجندتها في المنطقة وانعدام الشفافية.
المطلوب من أمركا في الدرجة الأولى الانسحاب من هذين البلدين، ولكن قبل ذلك عليها إعادة إعمار ما دمرته بآلتها العسكرية وتحسين الشروط الحياتية للمواطنين، وأن تقوم بتقليم أظافر المتطرفين داخل إدارتها الحاكمة لأنهم هم الذين يغذون العنف في محصلته النهائية.