أثارت الدراسة التي نشرها اثنان من أبرز أساتذة العلاقات الدولية في أميركا حول دور اللوبي الصهيوني في توجيه سياسة أميركا الشرق أوسطية عاصفة من الغضب والاتهامات القاسية والتشهير بالمؤلفين.

ولقد قام كاتبا الدراسة، وهما جون ميرشهايمر وستيفن وولت الأستاذان بجامعتي شيكاغو وهارفارد على التوالي، بنشر الدراسة في مجلة بريطانية وذلك لقناعتهما بعدم وجود مجلة أميركية لديها ما يكفي من الجرأة لنشر مثل تلك الدراسة.

وإذا كانت جامعة هارفارد معروفة للجمهور العربي بوجه عام، فإن جامعة شيكاغو تصنف دوما من بين أهم عشر جامعات في أميركا، وأن عدد الأساتذة الحاصلين على جوائز نوبل من العاملين فيها يتجاوز عددهم في أية جامعة أخرى في العالم.

جاء الغضب الصهيوني وحملة التشهير بالأستاذين من قبل يهود أميركا، خاصة من القائمين منهم على إدارة المؤسسات والمنظمات اليهودية الرئيسية، ومن بينها اللوبي الصهيوني بالطبع.

ويعتبر هؤلاء أهم القوى الداعمة لإسرائيل على الساحة الأميركية، حيث لا يخفون انحيازهم الكامل لإسرائيل والتزامهم بجميع سياسات التطرف والعنصرية التي تمارسها الحكومات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية. كما جاء الغضب أيضا من أنصار إسرائيل من المحافظين الجدد وأتباع الحركة الأنجليكية من المسيحيين المتطرفين.

والذين لا يكتفون بتأييد إسرائيل ودعمها فقط، بل ويعملون أيضا على تغذية مشاعر العداء والكراهية ضد العرب والمسلمين مستخدمين كافة وسائل الإعلام المتاحة لهم والتي تتزايد عددا وعدة كل يوم.

إلى جانب ذلك، قام العديد من أساتذة الجامعات من اليهود المناصرين لإسرائيل والمؤيدين لجرائمها بحق العرب بنسيان مبدأ الحرية الأكاديمية من أجل إسكات كل الأصوات وإخفاء كل الحقائق التي تجرؤ على كشف بعض جوانب العلاقة المرضية الإجرامية التي تربط أميركا بدولة إسرائيل.

وبالرغم من كل ادعاءات الإعلام الأميركي بالحيادية إلا انه لم يستطع الوقوف موقف المراقب أو المتابع لما يجري، وكما يجب، بل شارك في الحملة المضللة على كل من ميرشهايمر ووولت.

وعلى سبيل المثال، أشارت صحيفة الواشنطن بوست إلى الدراسة بربطها باسم ديفيد ديوك، أحد ساسة ولاية لويزيانا الفاشلين ذوي المواقف المعادية للسود.

ولقد حاول ديوك قبل أكثر من عقد من الزمن دخول الكونجرس من منطلق عنصري، لكنه فشل ولم يُسمع منه أو عنه شيئا، حتى تمخضت عبقرية محرري الواشنطن بوست بإيجاد طريقة غير مباشرة للتشهير بمؤلفي الدراسة المتعلقة باللوبي الصهيوني.

حيث قامت الجريدة التي يشاع بأنها رصينة وحيادية بإعادة إحياء اسم ديوك وربطه باسم الأستاذين في عملية إعلامية غاية في الخبث والقبح، وذلك من أجل الإيحاء بأن مواقف وولت وميرشهايمر من إسرائيل هي الوجه الآخر لمواقف ديوك من السود.

وأود أن أشير هنا إلى أنني قمت بالاطلاع على آراء الاستاذين بشكل مستفيض قبل ثلاثة أعوام تقريبا حين طلب مني تدريس مادة (الأمن الدولي) لطلبة الماجستير في الدبلوماسية والعلاقات الدولية في جامعة الأخوين في المغرب.

ولقد اكتشفت أن أفكارهما تقوم على أساس مبدأ الواقعية السياسية وسياسة القوة، وهي أفكار تتناقض مع أفكار الداعين لاستخدام الدبلوماسية لحل النزاعات الدولية.

ويعتبر هنري كيسنجر من أشهر من مارس تلك النظرية قولا وفعلا حين شغل منصب مستشار الأمن القومي، ومن ثم وزير الخارجية الأميركية أثناء إدارتي الرئيسين نيكسون وفورد في السبعينات من القرن الماضي.

تقوم فلسفة «الواقعية السياسية» والتي اعتقد أنها ترجمة غير موفقة للصياغة باللغة الانجليزية Realism، على أن على كل دولة أن تعمل على حماية مصالحها وتقوية نفوذها وأن لا تتورع عن استخدام كل الوسائل المتاحة لديها لحماية تلك المصالح.

كما تقوم أيضا على الإيمان بأن العالم غابة صراع يسيطر فيها القوي على الضعيف. وعلى سبيل المثال، يقول ميرشهايمر إن المنظمات الدولية تعكس توازن القوى بين الدول،.

وبالتالي ليست قوة فاعلة على الساحة الدولية وليس لها تأثير على مسلكيات الدول، وأن حالة الصراع الدائم التي تهيمن على العالم تحتم قيام كل دولة بتعزيز قواها العسكرية والعمل على تأمين أمنها وحماية مصالحها.

وهذا يعني أن الدراسة المتعلقة باللوبي الصهيوني لا تستهدف النيل من إسرائيل ولا التشكيك في حق اللوبي الصهيوني في الدفاع عن إسرائيل والعمل على حشد كل القوى لدعمها، وإنما تنطلق من مبدأ البحث عن مصالح أميركا. وفي هذا تقول الدراسة- باختصار- إن أساليب العمل التي يستخدمها اللوبي الصهيوني تضر بالممارسة الديمقراطية في أميركا.

وإن أشكال الدعم التي يوفرها اللوبي الصهيوني لإسرائيل تتعارض مع المصالح الأميركية، بما في ذلك المصالح الأمنية، كما أنها تساهم في زيادة خطر الإرهاب ضد أميركا وحلفائها وزيادة حدة العداء والكراهية لأميركا في العالمين العربي والإسلامي.

وأود أن أشير هنا إلى أنني كتبت كتاباً حول موضوع الدراسة في عام 1988، تحت عنوان: سياسات المعونة الخارجية: برنامج المساعدات الأميركية والمعونات لإسرائيل.

The Politics of Foreign Aid: US Foreign Assistance and Aid to Israel

وقامت واحدة من أهم دور النشر الأكاديمية الأميركية بنشره في حينه، وهي بريجرPraeger . وبعد صدور الكتاب بعامين قمت بتحديثه وترجمته إلى العربية وقامت مؤسسة الدراسات العربية بنشره تحت عنوان: المعونات الأميركية لإسرائيل.

وبالرغم من مضي حوالي 18 عاما على صدور الكتاب، إلا أنه لا يزال مرجعاً رئيسياً في موضوع المعونات الأميركية لإسرائيل ودور اللوبي الصهيوني في تأمين ذلك الدعم. وهذا لا يعود لعدم قدرة أي شخص آخر على إعداد كتاب حول هذا الموضوع، وإنما لعدم جرأة أي شخص آخر على الخوض في هذا الموضوع الخطير.

ولا بد من الاعتراف هنا، ولأول مرة، أن ذلك الكتاب كلفني الكثير، حيث كان سببا في محاربتي أكاديميا، وفي تهديدي أكثر من مرة قولا وفعلا، وفي تعرض أولادي للإرهاب منذ الطفولة وحتى التخرج من الجامعة، ومراقبة كل تحركاتي، وحرماني من ممارسة حقي في إلقاء المحاضرات، ومعاقبة كل من دعاني للحديث عن القضية الفلسطينية من منظمات وجامعات.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فلا بد من الإشارة هنا أيضا إلى أن ابنتي تخرجتا من جامعة هارفارد، وتخرج ابني من جامعة شيكاغو، من الجامعتين التي ينتمي إليهما مؤلفا الدراسة.

قامت الدراسة بتحليل عدة نقاط مهمة تتعلق بنشاطات اللوبي الصهيوني وأساليب عمله على مختلف الساحات السياسية والأمنية والأكاديمية والانتخابية في أميركا.

والإشارة إلى مدى الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الذي تقدمه الحكومة الأميركية لإسرائيل، وتفنيد الحجج التي يسوقها اللوبي لتبرير ذلك الدعم وتجنيد أعضاء الكونجرس وغيرهم لدعم سياسات إسرائيل التوسعية ومطامعها الإقليمية.

كما حاولت الدراسة تحليل ونقد علاقة الدعم الأميركي لإسرائيل بالإرهاب الدولي، ودور اللوبي في حمل إدارة بوش على غزو العراق، وفي طرح مفهوم الشرق الأوسط الجديد، وغير ذلك من قضايا مهمة. وبسبب أهمية الدراسة واهتمامي بهذا الموضوع سوف أقوم بعرض ومناقشة ما جاء فيها في عدة مقالات متتابعة.

أكاديمي أميركي من أصل عربي

professorrabie@yahoo.com