هذا العنوان مستوحى من عنوان كتاب «حرب كان يمكن ألا تقع» الذي أصدره عام 1991 يفغيني بريماكوف، حول المساعي الروسية لدرء حرب تحرير الكويت.
لكن تلك الحرب وقعت، ثم ولدت حربا أميركية أخرى عام 2003 ليخيم على العراق والمنطقة بنتيجتهما شبح الحرب الأهلية والنزاعات الطائفية والإقليمية التي يشبهها فيكتور هيجو بقرحة المعدة التي تهرئ من الداخل.
وبما أنه، حسب الكاتب الفرنسي موريس دريون، لا يمكن إيقاف الحرب (إلا وهي في عداد النوايا، قبل اتخاذ القرار الحاسم بشنها)، فبالنسبة للوضع حول إيران هذا هو بالضبط الوقت الذي يتحدث عنه دريون. وهو الوقت الذي تبدو فيه المساعي الروسية، كما في السابق، الأكثر جدية.
وكما في السابق أيضا فهذه المساعي لن تنجح ما لم تسندها مواقف ليس من أوربا الغربية أو الصين أو غيرهما فقط، ولكن من كل بلدان الجوار لإيران التي قد تصبح مسرحا شاملا للحرب.
ودور بلدان الخليج مهم جدا في إنضاج قرار الحرب من عدمه. وفي نهاية المطاف روسيا ليست الاتحاد السوفييتي، فكلما اقترب القرار الأميركي، كلما اقتربت روسيا من الحياد.
عندها .. وعلى إيقاع موسيقى أنتونيو فيفالدي المنسابة إلى آذانهم، سيوجه الطيارون الأميركيون، كما حدث مساء بدء الحرب على يوغسلافيا في 23 مارس 1999، صواريخهم إلى قرابة 400 هدف إيراني. إنه الرقم الذي تحدث عنه الصحافي الأميركي سيمور هيرش القريب من دوائر الرئاسة في واشنطن.
لكنه نفس الرقم «400 هدف إسرائيلي» الذي يقال أن إيران ستوجه إليها ضرباتها في حال حشرت في الزاوية. وكما في يوغسلافيا والعراق قد لا يستطيع الرئيس الأميركي مواصلة القصف بلا نهاية، كما لا يستطيع وقفه ببساطة..
وستتطور الحرب وفق قوانينها الخاصة متجهة نحو حتمية التدخل البري، لتبدأ الدراما الطويلة. تعرف أميركا أن إيران ليست العراق من حيث التقنيات والاستراتيجيات العسكرية والموقع المتحكم في طرق إمدادات النفط في الخليج وبحر قزوين.
وقد سبق أن ألمحت مصادر أميركية إلى أن هذه الحرب ستكون مختلفة نوعيا، وسيتم شل أية آلية إيرانية بعد تحركها بدقائق.
وبالفعل، ينقل عن مصادر إيرانية أنه منذ بداية هذا العام سقطت أربع طائرات كانت تقل مسؤولين كبارا، لكن التحريات لم تقف لحد الآن على أسباب تقنية أو بشرية لسقوطها مما يعزز الاعتقاد بتدخل أميركي من بعد.
وبالمقابل استعرضت إيران أسلحة متطورة جديدة، وأبرمت مع روسيا للتو صفقة لتعزيز دفاعاتها المضادة للطيران بنظم «تور - إم 1». كما أن هناك 40 ألفا من الانتحاريين المدربين لضرب أهداف أميركية وإسرائيلية وحتى بريطانية. وقد تم اختيار 29 هدفا كما أشارت The Sunday Timeَّ. وربما يظهر الإيرانيون مفاجآت جديدة.
في حربي العراق ويوغسلافيا لم تمتنع أميركا عن استخدام اليورانيوم المستنفد (غير النشيط) الذي دخل في تركيب بعض أنواع القذائف. وقد أوردت «إنديبندنت» اللندنية في 4 أكتوبر 1999 أن 860 ألف قنبلة تحتوي على اليورانيوم المستنفد ألقيت على العراق عام 1991.
وفي السنوات الثلاث التالية لوحظ في المنطقة ظهور عدد من حالات المرض بأشكال مختلفة من السرطان وولادة أطفال مشوهين. وقد اشتكى 90 ألف جندي أميركي من الذين ساهموا في الحرب من خلل في صحتهم نتيجة الإشعاعات الصادرة عن اليورانيوم.
وبقيت على أرض العراق 300 طن من اليورانيوم المستنفد. وحمل الغبار المشع العدوى لتربة جنوب العراق لمئات من السنوات المقبلة.
ولم يستبعد الرئيس بوش إمكانية استخدام السلاح النووي مباشرة ضد إيران قائلا: «إن كل شيء يدرس». لكنه، وبالرغم من حاجته للحرب بسبب أوضاع الداخل، استدرك بأن أميركا تريد حل المشكلة بالوسائل السلمية.
والواقع أن الرعب المتوقع يدفع بالكثيرين، ومنهم الأميركيين والإيرانيين إلى تفحص الأمور من كافة جوانبها. ولعله لهذا السبب قام محمد نهاونديان، مساعد سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني والمفاوض الرئيسي في الشؤون النووية علي لاريجاني الأسبوع الماضي بزيارة لأميركا قيل إنها (علمية).
بريطانيا أيضا تهمس في أذني حليفتها بنذر الشؤم. فقد نشرت The Scotsman السكوتلاندية نقلا عن مصادر في الخارجية البريطانية أن لندن لن تؤيد أميركا إذا قررت مهاجمة إيران.
وتلاحظ «غازييتا» الروسية أن بريطانيا، بعكس موقفها من صدام، مستعدة للمضي في المباحثات مع إيران إلى النهاية. إنها تخشى أن تفجر الحرب انتفاضة شاملة في العراق ضد القوات الأجنبية، بما فيها البريطانية، وسيصبح بلير وبوش في وضع سياسي صعب.
والواقع أن أربعة من بين أعضاء مجلس الأمن الخمسة الدائمين وكذلك ألمانيا يرون أن واشنطن تغالي في ادعائها أن إيران ستمتلك السلاح النووي قريبا.
لذلك تسعى أميركا جاهدة لاجتذاب دولة إسلامية واحدة على الأقل إلى التحالف ضد إيران، مركزة على شريكتها الاستراتيجية أذربيجان. لكن جارة إيران الشمالية لا تريد الحرب أصلا لأنها تخشى تدمير بنيتها النفطية التحتية وسيل اللاجئين إليها جراء الحرب.
وقد تكون هذه هي مهمة الرئيس إلهام علييف عندما سيزور واشنطن أواخر هذا الشهر حاملا رسائل إيرانية لتهدئة الموقف، ومذكرا بمعاهدة بين الجارتين تقضي بعدم السماح باستخدام أراضي أحداهما ضد الأخرى في حال العدوان الخارجي.
إذن فليس لدى أميركا سوى إسرائيل كحليف موثوق. وإسرائيل، بعكس كل العالم، تستعجل توجيه الضربة لإيران لتبقى الدولة القوية الوحيدة في المنطقة. وليس هتاك أدنى شك في أن بلدان الخليج لا تريد هذه الحرب التي تعرف ويلاتها سلفا، لكنها لا تزال لم تحرك أية أدوات جدية لإبعاد شبحها.
ولعل ما يزيد في الإبهام وجود بعض الدعوات للنظر إلى إيران «كنزعة شر» في المنطقة بدلا من النظر إليها من خلال تنازع المصالح التي يتوجب حلها على أساس توازن المصالح وجعل منطقة الخليج منطقة تعاون من أجل الأمن المشترك والتنمية الإقليمية لصالح شعوب المنطقة.
كاتب بحريني