في زمن التمزق والتيه والاستباحة، تصبح لعبة الموت بالجملة «موضة». لغة تعامل. الإنسان يتحول إلى رقم. الدم يصير مجرد سائل. حصد الأرواح يمسي مهنة. الرعب وحده يستبد بالساحة.
ووحده يبقى القادر على التجوّل بحرية في أرجائها. الضحايا فقط ينتظرون دورهم في مسلسله ومن يسقط وتتناثر اشلاؤه أو يتفحم جسده، بإرهاب التفخيخ، يكون لا ذنب له سوى انه كان في المكان الخطأ، في الزمان الخطأ.
يطوف هذا الإرهاب المنطقة؛ من العراق، حيث ينهش من لحمه وجبة بشرية يومية؛ إلى لبنان، الذي تسبب له، خلال العام الماضي، بنزف كاد أن يطيح بأوضاعه؛ وإلى مصر التي زارها أكثر من مرة في الآونة الأخيرة؛ وكانت أول من أمس آخر محطاته في منتجع دهب على شواطئ سيناء. والحبل على الجرار؛ كما يبدو.
عملية دهب تشي بأمور كثيرة وتنطوي على مؤشرات داكنة. فهي حصلت في نقطة مستقرة أمنياً. مما يشير إلى قدرة في الاختراق. ولو أن المكان من الأهداف الرخوة. الوسيلة، هي الأخرى متطورة وتنم عن تحوّل نوعي. فالمتفجرات الثلاث انفجرت في مكان يكتظ بالناس، كما على مسافة دقائق قليلة بين الانفجار والآخر.
وتجدر الإشارة إلى أمرين تسلطت عليهما الأضواء ـ التوقيت: احتفالات المصريين بمناسبة «شم النسيم» ـ ان المكان غالباً ما يقصده مصريون في هذا الوقت من السنة.
لكن أكثر ما يلفت، بل ما يستوقف؛ هو وقوع هذه العملية بالتزامن مع الذكرى الرابعة والعشرين، لعودة سيناء إلى مصر. ليس ذلك فحسب، بل انها المرة الثالثة، في غضون السنتين الماضيتين، التي تستهدف فيها مواقع سياحية مصرية، بعمليات إرهاب.
وذلك عشية الاحتفال بذكرى وطنية. في يوم 6 أكتوبر 2004 تفجيرات طابا ويوم 23 يوليو 2005 (تفجيرات شرم الشيخ)، أمس الأول 24 ابريل في دهب. فهل هي الصدفة أم ان في الأمر ما يحمل على الارتياب المشروع. أو على الأقل على عدم استبعاد أكثر من سيناريو بل على عدم استبعاد أكثر من جهة؛ سواء كانت منظمات متطرفة أو دولاً لها حساباتها واجنداتها!
يعزز مثل هذه المخاوف ان عملية دهب الإرهابية وقعت بعد ايام قليلة من احداث عنف محلية شهدتها مدينة الاسكندرية؛ التي كانت دوماً معروفة بهدوئها وبأجوائها المسالمة.
على أية حال وبقطع النظر عن الملابسات والتفاصيل والجهات التي تقف وراء مثل هذا الإرهاب؛ لابدّ من التسليم بأن المناخات السائدة في بعض المناطق العربية والصراعات الداخلية التي تعصف بها والتي تهدد أوضاعها في الصميم؛ هي من النوع الذي يشكل أرضية خصبة لتفريخ وانتشار ثقافة وممارسة القتل العشوائي.
فالتأزيم السياسي وانفلات الأمن؛ ناهيك عن انفلات الغرائز والتطرف؛ لا يستولد سوى مثل هذه البضاعة الدموية وسوى المزيد من الإرهاب.
وقد استفحلت هذه الآفة إلى حدّ بات معها من المتعذر التعويل على المعالجة الأمنية فقط، لأعراضها ومخاطرها الفتاكة. فإذا كان التصدي الأمني، مع كل ما يتطلبه من حذر ويقظة وتنسيق بالقدر المطلوب، ضرورياً ولا غنى عنه، إلا ان الضروري أيضاً .
وبنفس القدر وأكثر، هو الذهاب إلى جذور هذا السرطان لقطع دابره. أو على الأقل لمحاصرته وحرمانه من النمو والانتشار، فالجسم العربي منهك ومزروعة فيه ألغام كثيرة. فلا يحتم.