الدولة في أبسط دروس العلوم السياسية التي تلقيناها على أيدي أساتذتنا الأجلاء هي فكرة مجردة ومقولة ذهنية وليست جسما محسوسا، أي ما يسمى بالفرنسي والانجليزي (كونسبت)، والدولة بهذا المعنى تصبح منظومة قيم سامية ومبادئ عليا ينضوي تحتها، عن طواعية، كل المواطنين تحميهم من المظالم وتؤمنهم من القهر وتصون أعراضهم وأموالهم وحقوقهم وتحكم بينهم بالعدل.

ومن هذا المنطلق تنشأ المواطنة، ويأتي الشعور بالواجب ويتحمل المواطن الفرد أمانة المجموعة بالتراضي والوفاق. ويكون هذا الإحساس بالطمأنينة إلى عدل الدولة هو الضامن لتلاحم المجتمع والدافع للتقدم والمحقق للانخراط في دورة التاريخ.

وفكرة الدولة نظر لها فلاسفة الإغريق القدامى وخاصة أرسطو وأفلاطون ومن بعدهم العلامة المسلم المغاربي عبد الرحمن بن خلدون فجعل أساسها الراسخ العدل وعمادها الخالد القوة في الحق وقاعدتها الصلبة .

ولاء الناس لها من باب حفظ الدين ورد المخاطر وتوزيع الخيرات وإشاعة المصالح. ولم يدرج أي مفكر سياسي مبدأ الخوف من الدولة كأداة حكم لأن المواطن الصالح لا يمكن أن يخاف ما دام محترما للقانون غير متعد على حقوق الغير أو حرياتهم.

وأنا أعيش في الغرب منذ ثلاثين عاما، وأتمتع يوميا بهذا الأمان الذي توفره الدولة، والذي أساهم فيه شخصيا مع ملايين الناس بدفع ما علي من ضرائب ،وأنا مدرك بأن خزينة الدولة الفرنسية تصرف على تأمين صحتي وصحة أفراد أسرتي ،وتسهر على أمني في الشارع والبيت .

وتراقب الغذاء الذي استهلكه، والهواء النقي الذي أتنفسه، وتصلح عطب الطريق التي أمشي فيها أو أسوق عليها سيارتي، بل وترعى أبنائي في المدارس ،وتوفر لهم المنشآت الرياضية والمسارح والمعارض والمكتبات ،وتأخذهم إلى المنتجعات أثناء الإجازات ،وتؤمن لهم المسجد للصلاة وهي الدولة العلمانية.

منذ عقود أعيش متمتعا بهيبة الدولة العادلة التي تستمد هيبتها من هيبة الشعب ،وتستلهم احترام مؤسساتها من احترام حرية المواطن. وتلك التقاليد يتوارثها الابن عن أبيه، والبنت عن أمها، لتستمر الدولة مهما تغيرت الحكومات وتداول اليمين واليسار على مسؤوليات الحكم، لأن الدستور المستقر الثابت هو الذي ينظم عمل المؤسسات العليا.

وينظم استقلال القضاء ويرتب صلاحيات السلطة التشريعية كأداة ممارسة حكم الأكثرية ولو كانت 51 بالمائة، دون أن تجد الأقلية في فوز منافسيها غضاضة، بل وأحيانا تؤيدها وتساند مساعيها إذا التقت الغايات حول مصلحة الوطن العليا.

وطالما تحدث الزعيم بورقيبة في تونس عما كان يسميه هيبة الدولة، متأثرا في ذلك بمدرسة المفكرين التنويريين الفرنسيين في القرن الثامن عشر ، حيث أسس الزعيم دولة عصرية وأرادها مهابة لكي ينجز مشروعه التحديثي بنشر التربية والتعليم ،وتوحيد قوى البلاد بلا قبلية أو فوارق اجتماعية وتحرير المرأة من براثن الجهل والقهر.

ومهما كان تقييمنا لتوجهات بورقيبة وخياراته فإن الشعب التونسي حقق منذ عام الاستقلال 1956 منجزات ومكاسب ليس أقلها القضاء على الإقطاع القديم .

وتمكين أبناء العمال والمزارعين وصغار الحرفيين من ارتياد أكبر الجامعات ثم تحمل أعلى المناصب والتحاق المرأة التونسية بشقيقها الرجل للمشاركة في بناء صروح التقدم بالرغم من قلة الموارد الطبيعية .

وشح المصادر الزراعية وانعدام النفط والغاز التي توفرت لبلدان مجاورة. واليوم تبدو تونس رغم المشاكل والعراقيل وطنا يطيب فيها العيش بعيدة عن الهزات التي عصفت ببلدان أخرى.

ومن أجل الحفاظ على هذه المكاسب يجب الشد بالنواجذ على الدولة القدوة حتى تكون هي الحكم العادل والمرجع الأول والأخير ومصدر القوة بالقانون وأداة الأمان ومحرك التنمية ورائدة التقدم ورمز الشعب والمدافعة عن الهوية والضامنة للحداثة.

وأنا لا أفرد تونس بالذكر سوى لأنها موطني الأصلي ولأني عشت فيها، وما ينطبق عليها ينطبق على كل أوطان العرب، مع اختلاف طفيف في التفاصيل. فالعرب اليوم أمام عواصف إقليمية وعالمية لا تبشر بمصير سلمي مضمون في ظل الخلاف حول التعامل مع الملف الإيراني والحصار الجائر والعنصري المضروب حول الشعب الفلسطيني.

مما يدعو إلى المحافظة على سلامة مؤسسات الدولة العربية الحديثة بتحصينها بقوة العدل والقانون لتكون هي الجامعة لطاقات الأمة والمحركة لعبقرية شبابها والمؤتمنة الأمينة على حريات مواطنيها. أي في الحصيلة تكون الدولة هي القدوة لأن انهيار مثلها الأعلى ينذر بانهيار الوطن كله، حين تضيع المراجع وتندثر الأسس.