كسر ثلاثة جنرالات متقاعدين حاجز الصمت خلال الأيام القليلة الماضية، وطالبوا الرئيس بوش علانية بتنحية وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عن منصبه.
الجنرال أنتوني زيني كان قائد القيادة الأميركية المركزية للقوات المسلحة قبيل 11 سبتمبر والحربين في أفغانستان والعراق ويمتلك الجنرال زيني خبرة طويلة في الشرق الأوسط، حتى ان الرئيس جورج بوش استخدمه كمفاوض لكسر الجمود بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
واضافة إلى مطالبته بإقالة رامسفيلد، أشار زيني أيضاً إلى المسؤولية التي يتحملها القادة العسكريون الذين لا يجرؤون على التحدث ضد الأفكار الكارثية التي تأتي من رؤسائهم المدنيين، خوفاً على مستقبلهم المهني.
ويذكر الضباط الحاليون جيداً ما حل بقائد أركان الجيش الجنرال إريك شينسيكي، عندما اعترض بداية على خطة رامسفيلد لتقليص حجم الجيش بواقع فرقتين والحرس الوطني بواقع أربع فرق في أغسطس 2002.
ثم بعد ذلك في فبراير 2003 قال مخاطباً أحد أعضاء مجلس الشيوخ في جلسة استماع بالكونغرس إن مهمة احتلال العراق وترسيخ السلم والهدوء فيه تحتاج باعتقاده إلى ارسال «مئات الآلاف من الجنود الأميركيين» إلى هناك.
كانت تلك هي الحقيقة، وتم التوصل إليها من صيغة قياسية عملية ليست من صنع شينسيكي. لكن ذلك التقدير جاء متضارباً مع فكرة رامسفيلد، وأصبح شينسيكي موضع تجاهل وازدراء وكأنه غير موجود في البنتاغون.
ورغم انه كان هو قائد أركان الجيش، لكن رامسفيلد وآخرين معه استخفوا بتقديراته وقللوا من شأنها باعتبارها جامحة جداً وبعيدة عن الواقع، وسرب مسؤولون في البنتاغون الى وسائل الإعلام ان نائبه سيحل محله مع انه كان لا يزال أمام شينسيكي 18 شهراً كقائد للأركان قبل تقاعده.
ولقد وصلت الرسالة إلى كل الضباط. لا ينبغي لأحد ان يفتح فمه مع رامسفيلد، إلا ليقول «حاضر، سيدي». وسارع الجنرال بيتر بيس، رئيس قيادة الأركان المشتركة إلى الدفاع عن رامسفيلد في ايجاز صحافي بوزارة الدفاع. وعندما سأل مراسل صحافي رامسفيلد، ما إذا كان تمسكه بمنصبه.
وسط مطالبة جنرالات عديدين باستقالته هذا الشهر، يضر بجهود الحرب، سارع بيس إلى الرد قبل ان يتسنى لرامسفيلد ان يجيب، فقال: «فيما يتعلق بموقف بيتربيس، اعتقد ان رامسفيلد يقدم خدمات استثنائية لهذا البلد، ولا أحد البتة يعمل بجد أكثر منه للاهتمام بشؤون الضباط وضباط الصف.
أحد الجنرالات الذين يطالبون برحيل رامسفيلد وهو الجنرال المتقاعد غريغ نيوبولد، الذي كان قائد عمليات الأركان المشتركة خلال حشد القوات الأميركية لغزو العراق، كتب في عمود صحافي أخيراً انه يجب طرد رامسفيلد من منصبه بسبب أخطائه الجسيمة في سوء إدارة حرب العراق. لكن نيوبولد قدم أيضاً نقداً ذاتياً صريحاً ينطبق أيضاً على زملائه الجنرالات الذين لا يزالون يجلسون في مكاتبهم الفخمة في البنتاغون.
وكتب نيوبولد في مجلة تايم: «أشعر الآن بالندم لأني لم أكن أكثر مجاهرة وصلابة في معارضة أولئك الذين كانوا مصممين على غزو بلد بعيد في أفعاله عن مركز التهديد الحقيقي المتمثل في القاعدة».
أما الضابط الثالث الذي جاهر بانتقاد رامسفيلد فكان الميجور جنرال بول ايتون، المتقاعد حديثا، والذي كان قبل أقل من سنة مسؤولا عن تدريب الضباط والجنود للجيش العراقي.
واقترح ايتون على الرئيس بوش أن يقبل الاستقالة التي قال رامسفيلد من قبل انه وضعها تحت تصرف الرئيسي. وقال ايتون ان رامسفيلد غير كفء وهو المسؤول عن المصاعب التي تواجه المهمة الأميركية الآن في العراق.
ويذكرني كل هذا بجنرال آخر قبل 40 عاماً. كان اسمه هارولد كيه جونسون، وشغل منصب قائد أركان الجيش من 1964 إلى 1968. وكان جونسون، الذي تخرج من الأكاديمية الحربية عام 1933، في الفلبين عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية ونجا من مسيرة الموت في معركة بوتان ومن أربعة أعوام في معسكرات الاعتقال اليابانية.
تولى هارولد جونسون مواقع قيادية على مستوى الكتيبة، وعلى مستوى اللواء في فرقة المركبات الأولى في كوريا ونال وسام الخدمة المميز، ثاني أرفع وسام للشجاعة في الولايات المتحدة.
وفي مطلع يوليو 1965، أصدر الرئيس ليندون جونسون أوامر لفرقة المشاة الأولى المجوقلة ومعها وحدات عسكرية كبيرة أخرى بالانتشار في فيتنام الجنوبية في تصعيد كبير للحرب، لكنه رفض اتباع نصيحة قادته العسكريين والإعلان عن حالة طوارئ وطنية وتجميد تسريح كل الجنود المنتهية خدمتهم.
كان الرئيس جونسون يريد خوض حرب فيتنام بتكلفة زهيدة وبدون إثارة ضجة حولها. ولم يشأ ازعاج الطبقة الأميركية الوسطى أو الكونغرس خشية أن يتجهوا لتغطية نفقات الحرب على حساب اعتمادات برامج الرفاه الاجتماعي التي أطلقها جونسون. ولذلك صار يرسل وحدات عسكرية منقوصة القوة، تاركاً وراءها، خيرة الجنود المدربين الذين توشك فترة خدمتهم على الانتهاء.
شعر الجنرال جونسون بغضب شديد، استدعى سيارته وتوجه إلى البيت الأبيض، ونزع رتبته العسكرية من على كتفيه، وهو في الطريق إلى هناك. لكن الجنرال ظل يتجادل مع نفسه طوال الطريق.
وقبيل وصوله إلى البيت الأبيض أمر السائق بالاستدارة والعودة من حيث جاء، لقد اقنع جنرال جونسون نفسه انه اذا استقال احتجاجا، فسوف يعين الرئيس مكانه خلال ساعات شخصا آخر أسوأ وأكثر لينا ورضوخا منه. ورأى انه من الأفضل ان يبقى في موقعه ويحاول إصلاح الأمور قدر استطاعته من الداخل.
وفي خريف 1983، قبل وفاته بفترة قصيرة، كان هارولد جونسون يجلس بجانب صديق قديم في اجتماع للضباط الأعضاء في جمعية خريجي كلية وست بوينت الحربية. تذكر ذلك اليوم وقال لصديقه: «اعتبر ذلك أعظم فشل أخلاقي في حياتي. كان علي ان استقيل وأحارب قرار الرئيس».
وهذا ما كان على ضباط آخرين فعله أيضا قبل حرب العراق.
خدمة لوس أنجلوس تايمز
خاص لـ «البيان»: