أهلاً فلسطين إن لقاءك لقريب، هذه مقالة يستقبلها معظم العرب بسخرية الماضي وأضحوكة الحاضر من واقع القتل والاعتقالات وجرائم ضد الإنسانية ، نعم إنها نظرة غير ملموسة رغم أنها تتغاضى عن حقائق الواقع.

الحرب الإسرائيلية الفلسطينية انتهت وفشلت جميع المحاولات والمعارك الإسرائيلية لفرض حل عسكري أو سياسي على الفلسطينيين أو حتى على العرب، إن الحرب الإسرائيلية الفلسطينية وصلت إلى نقطة جمود فليس هناك غالب أو مغلوب بعد أكثر من زهاء نصف قرن من المحاولات والمعارك الإسرائيلية المتكررة والمدعومة مادياً ومعنوياً وعسكرياً من أقوى دول العالم.

المنطق الاستراتيجي يملي بأن إسرائيل انهزمت وفلسطين انتصرت ، إن ما يجري الآن في الحقيقة هو ما تعهده الحروب دائما في هذه الفترة والتي تكون ما بين التوقيع على اتفاقية وقف النار وتنفيذ هذه الاتفاقية، إنه ما يسمى اللعب في الوقت الضائع .

حيث يتعرض الأبرياء إلى فظائع أشد قوة ووقعاً مما عليه الحال في فترة الحرب ومعاركها، وكلما كانت الدولة المنهزمة ذات قوة وسطوة كلما تطلب منها القيام بفظائع أكثر بطشاً حفاظاً على ماء وجهها.

أهلاً : فلسطين انقلبت الأضحوكة إلى فخر للعرب ، إن الكفاح والدم البارد الذي قدمه الفلسطينيون على مر العقود من الزمن لن يذهب سدى، فلن ينسى أحد في العالم القضية الفلسطينية وجرائم الحرب ضد الإنسانية والتطهير العرقي التي مورس ضدالفلسطينيين.

إن هذه التضحية الفلسطينية ستكون القضية الإنسانية التي سيتناولها العالم في القرن 21 كمثال لمعاناة الشعوب تحت أعين العالم دون أن يرفع أحد إصبعاً، ومن يقوم بذلك يكسر له إصبعه إن لم تكن ذراعاه.

تخفي هذه الأضحوكة وراءها مرارة الحزن ولوعة القهر في تركيبة الشخصية العربية وما الفلسطينيون إلا جزء من هذه الفسيفساء العربية الإسلامية ، ومهما فرض على فلسطين العلمانية فإن جذرها العربي الإسلامي سيطغى، أما لوعة الحزن فلن يمحوها إلا الزمن وذاكر ة التاريخ.

سيشكل بروز فلسطين الحديثة أكبر زلزال سياسي في منطقة العرب منذ اتفاقية سايس بيكو 1917 ، وسيأتي الترتيب الجديد شرقاً من الفرات وغرباً من النيل ليلتقيا على خط أفقي شمالاً في البحر المتوسط وجنوباً في بحر العرب ، وسيحتضن هذا المربع مقدرات العالم من الطاقة ، وهنا يتم طرح التصورات المختلفة فطرف يتبنى ثقلاً مركزياً واحداً .

وذلك لسهولة التعامل معه لأنه يحافظ على درجة عالية من الأمن والاستقرار سواء كان نظاماً سياسياً متواجداً ( كما هو الحال الآن في الدول العربية) أو في حال بناء ترتيب جديد.

أما الطرف الآخر فلا يرى هذا المربع ، وإن تبلور بطابع جديد / ترتيب جديد فهو لن يختلف جذرياً عما سبق، بل سيكون بمثابة الصندوق الذي سوف يُجمع فيه العرب في هيئة تُقارب السجن تحت الرقابة المستمرة لضمان تلك الدرجة العالية من الأمن والاستقرار، مما يعطى الضمان الأفضل في التحكم بمقدرات العالم من الطاقة .

مهما كانت التصورات والقراءة فالموضوع ليس بالهرطقة أو بالهراء. دعونا ننظر إلى ما يجري حولنا في إيران والعراق وفلسطين، أو ليس حماس مُدرجة كمنظمة إرهابية محظورة ؟

فمن سمح لها إذن أن تخوض الانتخابات الفلسطينية، لا وتتولى الحكم أيضاً؟! لربما تفتح هذه القراءة نظرة حول تسلط جديد وهيكلة جديدة لفرضها على العرب.

الامبراطورية الاميركية العظمى

تقوم الولايات المتحدة في الوقت الراهن باستثمار رهيب يأكل الأخضر واليابس بمئات المليارات من الدولارات والآلاف من الأرواح الأميركية ( ناهيك عن تلك الأرواح العربية) في العراق، لماذا كل هذا .

وقد تبين مؤخراً من المصادر والتصريحات بأن العراق لم يكن يشكل خطراً استراتيجياً على الولايات المتحدة وليس هناك وجود لأسلحة الدمار الشامل، إذاً السؤال يطرح نفسه لماذا كل هذا ؟ وما هو المبرر لكل هذا العنف ؟

الجواب بكل بساطة إن ما يجري ليس له تفسير غير سلوكيات إمبراطورية ، ويا لها من إمبراطورية فميزانية الدفاع للولايات المتحدة أكبر من ميزانيات الدفاع لدول العالم مجتمعة، وما يهمها زيادة ميزانية دفاعها إلى 10% أو 20% لتحكم قبضتها على العالم، هذا الجواب جيد ولكنه بحد ذاته غير كاف ، لقد انتهى صراع الإمبراطوريات بسقوط الاتحاد السوفييتي.

طبعاً مفهوم الإمبراطورية الأميركية العظمى نحو إحكام القبضة على الطاقة ممكن هضمهُ وخاصةً في الإطار الدولي فكبح جماح الإمبراطوريات التي قد تنافس أمريكا في المستقبل كالصين أو حتى حلفائها في أوربا سوف يضع الولايات المتحدة في موقف استراتيجي يجعلها أكبر وأشد قوة، إنها معادلة حسابية لكل استثمار يجب أن يكون له عائد وهذا العائد عادةً ما يجنى في المستقبل .

وكلما كبر العائد يبدي المستثمر استعداده لزيادة استثماره في المشروع المطروح أمامه، وهكذا أتت عقلانية الولايات المتحدة وليس كما يتمنى البعض أن يروج لها بأنها وقادتها .. أو لم يعلموا بأن لها مصالح تأتي قبل مصالحهم. وهل لنا يا عرب برامج لنكيف مصالحنا بمصالحها؟

العرب ومربعهم إن مفهوم الاستثمار الذي طرح سابقاً بأن المؤسسة الاقتصادية (المربع العربي) سوف تجني أرباحاً أكثر كلما قلت التكلفة التشغيلية - مفهوم اقتصادي بحت وهنا يجب أن يطلق العنان للأفكار والتصورات التطبيقية لهذا المفهوم.

لربما هذه التكلفة ستدور حول الاضطرابات وعدم الاستقرار في جميع النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المكلفة في هذا المربع والتي يجب التعامل معها بطريقة مختلفة عما سبق.

إن الحاجة إلى توفير الكثير من القلق الأمريكي سيدور حول نظرة وممارسات جديدة ( لن تأتي دفعةً واحدة بل ببطء وعلى دفعات) نحو التقليل من تلك الاضطرابات وعدم الاستقرار، ستكون فلسطين الحديثة جزءاً من ذلك.

سيشهد العرب ( طالما هم في هذا المربع) أنواعا بسيطة مما يطلق عليه بالشفافية أو الديموقراطية أو المسؤولية الاجتماعية ..وكذلك المزيد من إعادة توزيع الدخل في أركان هذا المربع من مثل زيادة دخل الفرد لتلك الدول ذات نسبة البطالة العالية .

وكالعادة سوف يدعو الكثير من العرب إلى مواجهة هذا التدخل الأجنبي ( تحت قبضة الإمبراطورية الأميركية)،إن هذا يدخل في صراع الإمبراطوريات وللأسف ليس لدينا إمبراطورية نصارع بها، فلنبتكر أفكارا جديدة تحت قيادة فذة تبحر بنا في خضم المستقبل وتضع مصلحة العرب في المقدمة.

كاتب إماراتي