في فترة شديدة الحساسية من تاريخ النضال الفلسطيني، تأتي الخلافات بين حركتي فتح وحماس لتزيد الطريق وعورة أمام رفقاء الدرب الواحد، ولترسم صورة ضبابية ـ إن لم تكن قاتمة ـ لمستقبل الشعب الفلسطيني.
وبغض النظر عن دوافع هذه الخلافات، وما نشهده من تصعيد ومظاهر مسلحة، فإن حوار الأشقاء يصبح ضرورة حتمية تفرضها معطيات لا تقبل أنصاف الحلول. فالوضع الداخلي الفلسطيني بات أكثر صعوبة منذ تولي حركة حماس مقاليد الحكم بعد أن شددت إسرائيل من حصارها على كل مقدرات الشعب الفلسطيني.
ومع التشديد الإسرائيلي جاء الحصار الدولي الذي قطع كل المساعدات الاقتصادية عن الشعب الذي اختار حكومته ديمقراطياً، بل جاء الحصار من جانب واشنطن التي هددت كل البنوك التي تقبل المساعدات المادية من العواصم العربية أو الدولية وتحولها إلى الشعب الفلسطيني، بمقاطعتها واعتبارها إرهابية.
في ظل هذه الصورة الصعبة للأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني وما يحيط به من عدو قريب أو أعداء بعيدين، كيف يمكن أن يتقبل الفلسطيني أو العربي أو حتى أي مراقب وجود مظاهر مسلحة أو تصعيدا بين حركتي فتح وحماس؟
وهل المطلوب الآن أن يكون الاقتتال الفلسطيني أمراً عادياً أو مألوفاً؟ الأوضاع الفلسطينية صعبة، يعلم ذلك القاصي والداني، وبالأحرى يعرف ذلك جيداً اصحاب القرار السياسي أو من يقفون وراء النعرات السياسية التي يدفع ثمنها رجل الشارع الفلسطيني.
لقد تخطى التصعيد بين فتح وحماس كل الخطوط الحمراء، مع العلم أن كلاً منهما يدرك تماماً أن المستفيد الوحيد من وراء هذا التصعيد هو إسرائيل التي تراهن على تصفية القضية الفلسطينية من الداخل خلال عام واحد، فهل يسمح رفقاء الدرب الواحد لها بذلك؟
إن الحوار الفلسطيني الفلسطيني أصبح اليوم ضرورة حتمية يفرضها الوضع الداخلي المتردي من جهة والتحديات الخارجية من جهة أخرى..
من هنا تأتي أهمية التحرك العربي لجمع الشمل الفلسطيني وتوحيد الصف الفلسطيني، وتنبيه أصحاب القرار بخطورة ما يجري على الأرض، وما يخطط في الخفاء.
وإذا كانت مصر قد بدأت تحركاً إيجابياً لتطويق الأزمة بين فتح وحماس، فإن القاهرة مطالبة بدور أكبر في استضافة حوار فلسطيني موسع يحدد أبعاد المرحلة الحالية والمستقبلية من خلال اتفاق الجميع على برنامج عمل واضح يضمن الحقوق الفلسطينية ولا يفرط فيها.
ومع تحرك القاهرة السياسي، فإن عواصمنا العربية مطالبة أيضاً بمد يد العون والمساعدة للشعب الفلسطيني الذي لم يحصل حتى الآن على أي دعم مادي منذ نحو شهرين، فحكومة حماس التي تسلمت السلطة منذ التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي تسلمت تركة مثقلة وخزينة خاوية، بل عليها مديونية داخلية تقدر بستمئة وخمسين مليون دولار، وأخرى خارجية تصل إلى مليار ونصف المليار دولار.
ولعل السؤال الآن هو: هل سيظل الفلسطينيون أسرى الشروط العربية المطالبة باعتراف حماس بمبادرة السلام التي انطلقت من بيروت؟ أم ستحذو عواصمنا العربية حذو موسكو التي قررت تقديم الدعم الفوري لهم وإعطاء الفرصة لحكومتهم لترتيب أوراقها؟
وبغض النظر عن نوازع الغرب ودوافعه من وراء قطع المساعدات عن الفلسطينيين، وبعيداً عن التصورات الأميركية للديمقراطية والانتقائية الواضحة فيما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني، بغض النظر عن هذا وذاك، فإن عواصمنا العربية مطالبة بالكثير لدعم هذا الشعب في محنته الحالية.
بعبارة أخرى، المطالب العربية من حماس ربما تستغرق وقتاً لا يستطيع أن يتحمله المواطن الفلسطيني الذي يعاني محناً متعددة الأشكال، وبالتالي فإن تقديم المساعدات العاجلة له تصبح أمراً حتمياً، تفرضه ليس فقط مقتضيات العروبة والإسلام، بل أيضاً أمن المنطقة برمتها.
وفي هذا السياق يمكن فهم أبعاد مبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بفتح باب التبرعات الأهلية للشعب الفلسطيني، وسواء جاءت هذه الخطوة لتجنب صانع القرار السياسي الحرج أو جاءت متضامنة ومساندة لها، فإن الواقع يؤكد أهمية الإسراع في نجدة هذا الشعب بغض النظر عن الطيف السياسي الذي تمثله حكومته.
Haniihanii@hotmail.com