تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تسير بخطى حثيثة وبدفع ذاتي، نحو المهوار، أو كأنها تفتح أبوابها، من غير وازع، أمام رياح عاصفة لغزوة داخلية.
احتقاناتها المزمنة، بدأت تتفجر، ضغوطاتها الجوانية المتراكمة ـ التي تشحنها وتغذيها ضغوطات الاحتلال ـ، باتت تنذر باقتراب لحظة حمراء ـ سوداء؛ قد تأكل الأخضر واليابس في محيطها، إذا ما اندلعت نارها.
فما حصل فوقها، في الأيام الأخيرة في مواجهات مسلحة ودامية يحمل على التخوف الحقيقي من أن يكون الوضع الفلسطيني قد اجتاز نقطة اللاعودة، في صراعاته المحلية. أو انه قد صار أسير دينامية المجابهة الفلسطينية ـ الفلسطينية المحتومة، خاصة وأن هامش الفرص المتاحة، لتغيير مجرى الأحداث والعلاقات، يتضاءل أكثر فأكثر، وهكذا هو هامش الوقت.
مما يوجب هبة سريعة وفاعلة من جانب جميع الحريصين والمعنيين، فلسطينياً وعربياً ودولياً، لوقف هذا الزحف نحو المحظور؛ الذي لو وقع، لكان أشد خطراً على فلسطين وقضيتها وأهلها ومحيطها من كل الهزائم التي حلت، حتى الآن. بل لكانت هزيمة الهزائم.
لغة السلاح ليست طارئة، في العلاقات الفلسطينية الداخلية، فهي معمول بها من زمان ولغايات تتراوح بين تصفية الحسابات وبين الصراع على النفوذ. وما ساعد على استمرار هذه اللغة، إن المشروع الوطني الداخلي لم يقو على الارتقاء إلى مستوى التماسك والانضباط المطلوبين. لكن في المقابل كان لها دوماً صمامات أمان.
فاستخدام السلاح لحل النزاعات بقي محصوراً في حالات جانبية محدودة، لم يبلغ مرة حدود الاقتتال الواسع المنظم، الذي يختزن إمكانية التحول إلى اشتباك أهلي يأخذ طابع التصفية، الأجواء لم تكن لتسمح ولا التوازنات.
الصدامات التي وقعت هذا الأسبوع، بين «فتح» و«حماس»، تفوح منها رائحة جديدة وتوحي بأن المناعة الذاتية، التي طالما سادت المناخات الفلسطينية، أصابها شيء من الوهن والرخاوة.
وربما التآكل الذاتي. فليس من دون مدلول، في هذا المعنى، ان تحصل اقتحامات متبادلة لمراكز ومكاتب الطرفين، كما أنه ليس بالأمر العابر أن تحصل الاحتكاكات المسلحة في أكثر من مكان في الضفة وغزة وبالتزامن، وقد حصل ذلك وسط أجواء متوترة سادتها لغة التخوين، التي استخدمت فيها مفردات تنم عن وجود مشاعر نفور وخصومة عميقين وحادين.
الأمر الذي يشي بأن الأمر أبعد بكثير من عملية سوء تفاهم، أو شطط عابر، ويعزز ذلك أن كل المحاولات، المحلية والعربية، التي جرت لوقف التدهور، باءت بالفشل. ففي كل مرة أعلن فيها عن التوصل إلى توافق حول التهدئة؛ كان يعقبها تأزيم أو اشتباك جديد.
العلاقات الفلسطينية، وبالتحديد بين هذين الفصيلين، قد أطاحت بالخطوط الحمر. أو على الأقل بمبدأ الالتزام بهذه الخطوط وعدم تجاوزها. ومثل ذلك ينطوي، في الحالة الفلسطينية وفي هذا الظرف بالذات، على أخطار قاتلة ومدمرة.
ليس فقط لأن المرحلة تتطلب التحالف وليس التنافر الوطني، بل أيضاً وأساساً لأن القضية الفلسطينية تواجه الآن محاولات التصفية، فالدولة ووعودها، في مهب الريح.
والأرض في الضفة الغربية برسم القضم والضم؛ في ظل تغاضي دولي وعجز عربي، وليس بالتالي في الميدان سوى «حديدان» الفلسطيني، وفي هذه الحالة لن تجد إسرائيل هدية أفضل وأثمن من أن يدب النزاع الدموي والتقاتل في صفوف العقبة الأولى والأخيرة في طريق مشروع، فهل يصحو «حديدان»؟