فاجأني ما قرأت في عددي جريدة «البيان» بتاريخ السابع والثامن من ابريل الجاري لمقالتين كتبتاهما الدكتورة منى البحر والدكتورة حصة لوتاه دفاعاً عن بعض التعاميم التي وردت في ورقة بحثية كتبها خبير أجنبي في إحدى المؤسسات التعليمية في الدولة والذي يتبوأ منصباً إدارياً لا يستهان به من حيث أهميته.
لم أستطع أن أتصور فظاعة هذه التعاميم الفاسدة التي استخلصها الباحث من خلال بحث أجراه وعقد فيه مقارنة بين الإمارات واليابان وذكر فيه أوجه الاختلاف بين طلبة الإمارات واليابان مستنداً في طرحه إلى منظور التقدم والتخلف، متجاهلاً في الوقت نفسه الفروق بين المجتمعين والخصوصيات الثقافية لمجتمع الإمارات ضارباً بها عرض الحائط.
كذلك إن عدم درايته الكافية في الجانب المتعلق بطبيعة المجتمع الإماراتي يؤكد تماماً أن معظم ما جاء في خلاصة هذه الدراسة (إذا جاز تسميتها علمياً دراسةً) هي عبارة عن أحكام مطلقة وتعميمات جائرة لا تمت للواقع بصلة.
وإني في هذا المقام أشكر أستاذتي الفاضلتين الدكتورة منى والدكتورة حصة على ما قدمتاه من جهدٍ حثيث في عرض هذا الموضوع الذي يستحق التقدير والثناء وذلك أيضاً للمبادرة بالدفاع والرد على مثل هذه الاتهامات، فمن خلال ما ورد في المقالتين السابقتين يتضح لنا ردة فعل الأكاديميين الإماراتيين في هذا الموضوع.
ولكوني مازلت طالباً وأعتبر أحد الذين تم توجيه هذه التعاميم الزائفه نحوهم، أرى أن الباحث قد تعجل في إطلاق هذه التعاميم الطائشة.
فنحن في المجتمع الإماراتي لا نرفض النقد البناء القيّم الذي من شأنه أن يعود بالخير علينا ولكن ما نرفضه تماماً والذي لا يمكننا القبول به هو التهكم على عاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية وعدم احترام الثقافة الإماراتية واتهامها بأنها أحد عوامل التخلف وأنها ثقافة رجعية.
يقول الباحث: إن طلاب الإمارات ليسوا إلا مهملين وغير مبالين ويغلب طابع الكسل على إنجازاتهم اليومية. قد يصدق هذا على بعض هؤلاء من طلبة الإمارات. ولكنني أؤكد له وبشدة أن هنالك بلا شك طلابا متميزين وعلى قدرٍ كبير من الكفاءة والفاعلية. وما زال بعضهم يجتهد على مقاعد الدراسة والبعض الآخر منهم قد انتقل إلى مجالات العمل.
كما أن وصفه للطالبات جاء جائراً حين قال: إنهن غير مباليات وليس لديهن اى اهتمام بالعمل وذلك لحياة الرفاهية التي يتمتعن بها كما وصفهن ب«الأميرات الضجرات».
هذا في الواقع لا ينطبق على غالبية طالبات الإمارات وذلك استشهاداً لما وصلت إليه المرأة الإماراتية اليوم من مكانة مرموقه محلياً ودولياً وأعتقد أن هذا لا يمكن أن يحدث من فراغ.
ناهيك أيضاً أننا لو افترضنا أن طلبة الإمارات هم أولئك الذين وصفهم الباحث بالكسالى وغير المبالين فهل يا ترى كنا سنرى الإمارات اليوم تصل إلى هذا التقدم والرقي؟ (الإجابة للباحث).
لا أريد أن استطرد كثيراً ، لكنني أريد أن أنوه إلى أن الباحث تطرق في بحثه إلى نقطة مفادها أن إحدى مؤسساتنا التعليمية الرائدة في الدولة هي مؤسسة إسلامية وليست علمانية!!
حيث إنه يحاول أن يقول إن كون هذه المؤسسة ذات طابع إسلامي فهي إذن متخلفة عن التقدم ولا تستطيع مواكبة ركب عصر التكنولوجيا الحديثة. يعتقد باحثنا أن العلمانية هي شرط من شروط التقدم والتطور.
وهذا التصور بالذات خاطئ بدرجةٍ كبيرة لأنه لا علاقة تذكر بين التقدم أو التخلف والعلمانية مما يعطينا مؤشراً قوياً حول وجود تجذر فكري عميق لثقافة الكراهية لدى هذا الباحث.
في نهاية القول أود الإشارة إلى عدة دروس مستخلصة من هذه الحالة المستعصية من الاتهامات الأجنبية لنا وهي:
1. إن إطلاق تعاميم عشوائية غير صحيحة على فئة عريضة من الطلبة المواطنين هو أمرٌ غير لائق وغير مقبول ولا ينم عن أي خبرة أكاديمية أو أي صفةٍ علمية تذكر، ناهيك عن ضرورة وجود عينة كبيرة الحجم من الطلبة إذا ما أردنا أن نطلق مثل هذه الأحكام العامة كي يكون منبعها علمياً سليماً وخالياً من العيوب لكي يضمن أن تكون أحكاما عامة ذات شكلٍ راقٍ وليس الاعتماد على بعض القلة من الأفراد كعينة كافية لمثل ذلك.
2. أراد الباحث أن تكون هذه التعاميم مصاغةً بشكل نقد بناء ولكنه في حقيقة الأمر لا نجد فيها إلا تعاميم ارتبطت في باطنها بأفكار ونوايا غير سليمة تحمل في مضمونها هدف مسح الهوية الخليجية العربية الأصيلة وإحلالها بهوية غربية لا تتلاءم ولا تتلاقى مع عاداتنا وتقاليدنا في مجتمع الإمارات والتي قام الباحث بتجاهلها.
3. إن استقطاب المزيد من الخبرات الأجنبية إلى مؤسساتنا التعليمية يعطينا انطباعاً بأننا مازلنا في حالة من التبعية للخارج ولكن هذا الأمر لا يعني البتة أننا نفتقر إلى وجود موارد بشرية وطنية عالية الكفاءة والجودة.
4. كيف لنا أن نأمن مثل هذه الخبرات الأجنبية بعد اليوم؟ وهي التي تم استقطابها من أجل دفع عجلة تطور العملية التعليمية في هذا البلد الغالي وذلك كونها خبرات نيرة ومفيدة لنا إلا أنه للأسف الشديد وجدنا أن بعض هذه الخبرات لا تحمل في طيات بنات أفكارها سوى فيروسات استعمارية أزلية لم تتشافَ منها هذه العقول محاولةً في الوقت نفسة تدمير ثقافتنا العربية الأصيلة.
من الجيد أن مثل هذه الخبرات الفاسدة يمكن كشفها بسهولة ولكن ما أخشاه هو صعوبة تشخيص حالات أخرى من هذه الخبرات الأجنبية التي ما زالت تتجول في رحاب صروحنا العلمية.
والله من وراء المقصد
قسم العلوم السياسية ـ جامعة الاماراتي