على ذمة صحيفة «الوطن» في عددها الصادر يوم الجمعة الموافق 14 أبريل الجاري بأن الحركة الدستورية الإسلامية أعدت مسودة ابتدائية كميثاق للعمل الحزبي .
حيث ستقوم بجمع تواقيع النواب لتقديم المشروع الحزبي على شكل قانون يقدم إلى مجلس الأمة، خاصة إذا ما نجحت الجهود حول تعديل الدوائر الانتخابية، وأن الكتل الليبرالية والشعبية تؤيد هذا التوجه، كما أشارت «الوطن» إلى أن نواب الحركة الدستورية يرون أن التجربة الكويتية تنقصها الخطوة الحزبية لإكمال النظام الديمقراطي.
ويقول الدكتور فيصل الحمد وفق ما نشرته صحيفة «الرأي العام» في عددها الصادر يوم السبت الموافق 15 أبريل، وهو رئيس المكتب السياسي في حزب الأمة، إن اتصالات جرت بين الحزب والحركة الدستورية الإسلامية والتحالف الإسلامي الوطني الشيعي بتأييد قانون إشهار الأحزاب.
وإن هذه القوى اتفقت على ميثاق شرف واستراتيجية تتضمن ثلاث قضايا وهي تعديل الدوائر، وقانون الأحزاب، وإصلاح القضاء، لأن الأحزاب فيها كل خير للكويت إذا مورست بطريقة صحيحة، وأهم مميزات النظام الحزبي القضاء على الطائفية والقبلية والفئوية.
ونشرت صحيفة «السياسة» في عددها يوم السبت الموافق 15 أبريل تصريحاً للنائب عبدالواحد العوضي، يقول فيه إن كتلة المستقلين ستقدم طلباً إلى مجلس الأمة للبت في قانون إشهار الأحزاب السياسية إذا ما تم إقرار تصوُّر الحكومة حول الدوائر، ولا تخلو الصحافة اليومية من مساجلات مستمرة حول التقليص والتحزيب، البعض يؤيد، والبعض يعارض، والكل يتخوف.
ويمكن إبداء بعض التعليقات:
أولاً: إشهار الأحزاب موضوع معقد، مرتبط بالدستور وبالوضع السياسي والاجتماعي وبالتركيبة البنيوية لأهل الكويت، ومرتبط بالبعد الخليجي والإقليمي، ولا يمكن إدراجه على لائحة المطالبة السياسية بهذه السهولة، فالخوف من الألغام المستقبلية شرعي ومنطقي، والرغبة في التطوير نحو استكمال آليات المركبة الديمقراطية لا غبار عليها.
والإصرار على توسيع دائرة الحقوق الشعبية أيضاً مقنع ولا يثير الجدل، فالذين يرون ملاءمة التوقيت يعبرون عن طموح مقبول، والذين يحذرون من الاستعجال يعبرون عن قلق مشروع.
وبروز الأحزاب في الحياة البرلمانية الكويتية يدخل الكويت ـ كدولة وشعب ـ في فصل يتطلب وعياً سياسياً مرتفعاً، وانضباطاً اجتماعياً صارماً، وقيادة سياسية مرتفعة في فهمها لحقوق الحياة الحزبية من تسامح وجدية وتحرر من الأنانية والمنفعة الشخصية والقبلية والفئوية، ووضع مصالح البلد فوق كل الاعتبارات، الولاء فيها فقط للقانون وسيادة الدستور.
وأنا شخصياً من المؤمنين بأن جوهر الديمقراطية هو تداول السلطة والمحاسبة وسيادة القانون والمساواة، ولا يمكن إطلاق الأحزاب من دون تداول السلطة وإلا تتحول الأحزاب إلى منابر مثل الحالة اللبنانية التي فصلت السلطات وفق القاعدة الطائفية.
ومثل أحزاب المغرب وأحزاب الأردن التي تمارس وظيفة توعية وتجنيد أعداد المناصرين لكنها لا تمارس لعبة التداول، وهناك أصوات في الكويت تشير إلى تجربة الأردن للاستفادة منها.
ثانياً: هل يمكن إدخال المدرسة الأردنية في الشأن السياسي الكويتي؟، نلاحظ بأن الصيغة الأردنية لا تستبعد وزارات السيادة، وتختار رئيس الوزراء من خارج الأسرة، ويتولى عادة رئيس الوزراء ملف الدفاع.
وتنحصر مسؤوليات الحكومة في تنفيذ المشروع الملكي الذي يرسمه الملك، فهو الذي يضع جدول أعمالها، ولا نتجاهل عنصرين مهمين في الأردن، صرامة القيادة وإدارتها لأجهزة الأمن والدفاع مع مؤسسة أمنية تتمتع بكفاءة عالية.
لا يمكن اقتباس الصورة الأردنية، فالدستور الكويتي يمنح الأمير صلاحيات اختيار رئيس الوزراء ممن يتوسم فيهم الكفاءة، ووفق الممارسة فإن الاختيار ووزارات السيادة يأتي من أبناء العائلة، لمسببات كثيرة، أبرزها ضمان الإجماع حول المرشح وإحاطته بالحصانة المتوارثة حفاظاً على الوحدة الوطنية.
ولا أتصور أن تغيير الدوائر إلى خمس أو عشر سيبدل في المستقبل القريب هذا النهج الذي صار شبه قاعدة، وساهم إلى حد بعيد في صون التجربة الديمقراطية.
ونلاحظ أيضاً إجراءات الحكومة في التخلص من شوائب الممارسة الديمقراطية عبر مقترحاتها بتقليص الدوائر إلى خمس أو عشر وحصولها دعم 27 نائباً، مع تحذيرات موجهة إلى رئيس الوزراء للاهتمام بما يدور ضد مساعي حكومته.
تعديل الدوائر خطوة استراتيجية وطنية تضعف التدخلات المؤذية وأبرزها الواسطة كما تضعف آليات القبلية والفئوية والطائفية، وتعظم العمل السياسي لصالح الكويت.
ثالثاً: تعاني التركيبة البنيوية للعمل السياسي الكويتي من عيب قاتل لا يتوفر في الديمقراطيات العالمية، وهو الفصل التام بين البرلمان والحكومة، فالعادة في الديمقراطية هي خروج الحكومة من حضن البرلمان.
وهما ـ الحكومة والبرلمان ـ تشكلان آلية التشريع والتنفيذ، لا يوجد فصل بينهما، لأن الحكومة من الحزب الحاكم صاحب الأغلبية البرلمانية الذي يشرع وينفذ، ولا توجد حكومة تستطيع العمل دون أن تكون جزءاً من البرلمان، ولا نستطيع تطبيق ذلك المبدأ الديمقراطي على الكويت، لأن قوة الحكم مرتبطة بنظام الحكم العائلي.
وبصراحة فإن الحديث الدائر عن تشكيل الأحزاب يأتي من الشعور بأن تجربة الكويت تعاني من هذا الخلل البنيوي، والعلاج ليس في إطلاق الأحزاب وإنما في مراجعة شاملة لبنود الدستور، وهو أمر ليس مستحباً في هذا الفصل من حياة الكويت.
وأعتقد أن تقليص الدوائر خطوة لا بد من تنفيذها وتجربتها كعلاج مؤقت لتجاوز الشلل الذي يرافق العمل السياسي منذ بدايته.
أتذكر بأنني في شهر مايو الماضي، وفي أعقاب أزمة سياسية، كتبت مقالاً أشرت فيه إلى مأزق الحكم الذي لا يملك حزباً يحتضنه ولا أغلبية تؤمِّن له حق التشريع، وعوض ذلك بأسلوب الإغراء والترغيب والتودُّد.
وخرجت مفاهيم الوساطة، واشتداد سلطة النواب من هذا الوضع المتأزم، ونرى نواب الخدمات ونواب المساءلات والاستجوابات ونواب المجاملات، واستقوى من لا يملك عناصر القوة بسبب رغبة الحكومة في الحصول على الأنصار.
هل يمكن للنظام أن يشكل حزباً؟ من حق الجميع عندما يأتي الوقت أن ينشأ الحزب، ومن حق النظام أن يشكِّل حزبه، ويبني قاعدة له، مثل حال الآخرين، فالدستور وفر للنظام الشرعية التاريخية لكن لم يوفر له الأغلبية التي تسانده في الحكم. النظام الديمقراطي في الكويت بدأ بحرية الانتخابات وحرية التعبير.
واتسع إلى أكثر من ذلك في نمو منظمات المجتمع المدني، وفي دخول المرأة للحياة النيابية، وفي زيادة الوعي السياسي والاجتماعي. لذلك فالحكمة المستخلصة من التجربة توصي بالتدرج، فلا يمكن تحويل النظام السياسي الكويتي إلى شيء يشبه الدنمارك ولا يمكن استعارة التجربة الأردنية، فلكل مجتمع ظروفه.
أعتقد أن قرار تقليص الدوائر خطوة استراتيجية مهمة لمصلحة الكويت، والدعم الكبير من قِبل الرأي العام لقرار الحكومة يصب في مصلحة ترسيخ العمل الديمقراطي.
كاتب كويتي