ماذا لو تخلت «حماس» عن السلطة؟! وهي التي أتت إليها وفق معايير «الغرب» الذي يتخذ من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان مبررا للتدخل في أكثر من مكان في العالم!
وللتذكير ليس إلا، كانت أميركا في خضم استعدادها لغزو العراق بهدف تدمير «أسلحة التدمير الشامل» وإسقاط صدام وإقامة نظام ديمقراطي يحتذى به في دول المنطقة، قد أعلنت على لسان وزير خارجيتها حينئذ كولن باول، عن مبادرة «الشراكة الأميركية الشرق أوسطية».
كان هدف المبادرة المعلن تعزيز الممارسات الديمقراطية في الوطن العربي من خلال تهيئة بيئات مناسبة للمشاركة السياسية عبر آليات ديمقراطية مشابهة لما يتمتع به الغرب.
ولكن اتضح لاحقا أن تلك المبادرة ليست سوى عصا غليظة ظل الأميركيون يرفعونها في وجه كل من تردد أو وسوست له نفسه لقول «لا» لعدوان الدولة العظمى ومن مشى خلفها على العراق واستباحته.. أرضا وإنسانا.
ولأنهم خارج لعبة «العصا والجزرة» تمكن الفلسطينيون، على الرغم من الاحتلال والتجويع والحصار، من انجاز استحقاق ديمقراطي يُعد الأفضل في العالم الثالث، إن لم يضاه تجارب الغرب نفسه، بشهادة منظمات وجهات غربية راقبت سير الانتخابات عن كثب!
فوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني لم يفاجئ جهات داخلية وخارجية عدة فقط حيث كانت استطلاعات الآراء ترجح كفة حركة التحرير الفلسطينية «فتح» حتى آخر ساعة قبل افتتاح مراكز الاقتراع، وإنما تفاجئت به حماس التي وجدت نفسها أمام دور لم تكن مستعدة للاضطلاع بمسؤولياته.
وبذلك الفوز أسست الانتخابات الفلسطينية لتحولات كبيرة في المنطقة لجهة الجهد الشعبي العربي نحو المطالبة بالمشاركة السياسية عن طريق صناديق الاقتراع..
لاسيما أن مقابل حماس في الدول العربية «الأخوان المسلمون» حققوا فوزا لم يتوقعوه أنفسهم في الانتخابات المصرية، ويمثل هذا التيار الآن القوة المعارضة الأولى في عدد من الدول العربية ذات الثقل السكاني.
وسقط في يد الغرب كما سقط في يد العرب. ففي أول تجربة ديمقراطية حقيقية في العالم العربي، وضع شروطها الغرب نفسه، وجدت أميركا ومن خلفها الدول الأوروبية نفسها في ورطة «أخلاقية» كبيرة.
فقد جاءت حماس إلى السلطة بأدوات يُسوِّقها الغرب لنا في زمن يباع فيه كل شيء. وإذا بالتجربة الديمقراطية الفلسطينية الوليدة ترفع عنه ـ وبقوة ـ ورقة التوت، وتظهره عاريا على حقيقته.. متجليا في أقبح صورة.
فما أن أعلنت نتائج الانتخابات حتى انهالت التهديدات من كل حدب وصوب، وأخذ الغرب بشقيه على ضفتي المحيط الأطلسي يطالب السلطة الجديدة حتى قبل تكليفها من قبل رئيس السلطة الفلسطينية .
وتشكيل الوزارة الاعتراف بالكيان المُغْتَصِب وإلا توقفوا عن تقديم المساعدة لفقراء فلسطين. أي على حماس أن تعترف بإسرائيل مقابل رغيف خبز.. بكلمة واحدة «الموت أو الاعتراف بإسرائيل».
موقف أميركا لا يثير استغراب أحد. والكيل بمكيالين أصبح من ثوابت السياسة الخارجية الأميركية، وسلوك «ملكيون أكثر من الملك » الذي تنتهجه الإدارة الأميركية كلما تعلق الأمر بإسرائيل لا جديد فيه، لكن قرار الاتحاد الأوروبي فرض مقاطعة مالية على السلطة الفلسطينية القائم على أساس أن «حماس منظمة إرهابية».
وهي الدول التي أقرت شعوبها قبل عام بنسبة 60 في المئة ان إسرائيل هي الدولة الثانية بعد أميركا التي تشكل خطرا على السلم العالمي هو الذي يثير الاستغراب.
ولعل الأسوأ هو موقف بعض الدول العربية، التي أبدت إزعاجا مضاعفا من التجربة الفلسطينية. أولها قبول رئيس السلطة الفلسطينية بنتائج الانتخابات ومباركته لحماس قبل إعلان النتائج النهائية حتى، وثانيا الخطر الذي تمثله التجربة من حيث انها أتت بحزب معارض إلى السلطة بوجود رئيس لا ينتمي لهذا الحزب. وهذه تجربة لم تسجل لها سابقة في العالم العربي.. هذا إذا استثنينا التجربة الجزائرية التي أجهضت قبل ولادتها!
أميركا لم تكتف بمقاطعة السلطة الفلسطينية ممثلة في حماس ولا بمواقف من دار في فلكها من الدول الأوروبية، وإنما أوعزت لأشقاء فلسطين بالتحرك نحو تضييق الخناق على السلطة الفلسطينية، فتفتقت الذهنية العربية عن مطالبة «عربية صرفة»، فقد طُلب من حماس الاعتراف بـ «المبادرة العربية».. وهو طلب يخفي في طياته أكثر مما يظهر، ولا يختلف كثيرا عن ما طُلبَ من حماس سابقا.
بعض الأشقاء لم يكتفوا بذلك، بل انهم اعتذروا عن لقاء وزير خارجية فلسطين بدواعي ارتباطات مسبقة، في حين لم يجد آخرون غير «افتعال» قضية في آخر لحظة حفظا لماء الوجه لتبرير إلغاء الدعوة التي وجهوها إلى الوزير.
ومهما تكن حيثيات هذه المواقف، إلا أن المواطن العربي لن يجد لها تفسيراً غير أن هؤلاء الأشقاء وغيرهم ممن ينطبق عليهم المثل العربي «إِن اللبيب مِنَ الإشارة يفهم» انضموا إلى الركب الأميركي لعزل حركة حماس وإفشال التجربة الديمقراطية الفلسطينية.
إذ ما كادت دولة عربية أخرى تُعلن عن تبرعها بمعونة مادية لما يُمْسِكُ رَمَقَ الجياع في فلسطين امتثالا لأوامر الله سبحانه وتعالى، حتى خرج الناطق باسم البيت الأبيض مطالبا جهراً (ومهدداً خفية) بإيضاحات من حكومة تلك الدولة، وهذا ما لم تفعله أميركا مع الروس أو مع إيران حين أعلنتا عن تقديم مساعدات لحكومة «حماس»!
وإذا ما نظر المرء إلى تداعيات وصول حماس إلى السلطة والمصاعب التي ستواجهها الحركة نتيجة لهذا الحصار أو التجويع، يتضح أن خيارات السلطة الفلسطينية الجديدة للخروج من هذا المأزق غاية في الصعوبة وإن كان ضرر تلك الخيارات سيطال الجميع: الداخل الفلسطيني والمنطقة ولن تسلم منه أوروبا أيضا.
وأمام هذه المصاعب ليس أمام حماس إلا أن تختار اما: البقاء في السلطة والالتزام بالتعهدات التي قطعتها على نفسها للناخب الفلسطيني الذي أتى بها إلى السلطة.
وهذا يعني رفض الاستجابة للمطلب الأميركي والأوروبي للاعتراف بإسرائيل ومواجهة الحصار الذي سيكون مختلفا للغاية عن ما شهده العراق، ففي حالة فلسطين يكفي أن تغلق إسرائيل المعابر التي تسيطر عليها لإحكام الطوق وقتل الفلسطينيين جوعا.
أو أن تعلن حماس تخليها عن السلطة، وذلك يعني إيجاد مناخ يشبه ما شهدته الجزائر حين أبعدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية عن السلطة على الرغم من فوزها في الانتخابات.
وما تلا ذلك من فوضى دامية ما زالت تحصد المزيد من أرواح الأبرياء، وانسحاب حماس يعني وضع الجميع ـ عربيا ودوليا ـ في مأزق شديد الخطورة، ستكون «حماس» اقل المتضررين منه.
ولن يكون بوسع أميركا ولا أوروبا، بعدئذ، الادعاء بأن استباحتهم للعراق وأفغانستان وغيرهما من دول العالم الثالث مبررة أخلاقياً، وأن دوافعها بغرض إرساء قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان.
ومثلما اكتشف الشعب الأميركي والشعوب الغربية الأخرى، وإن جاء متأخرا، أن غزو العراق استند على أكذوبة كبيرة اسمها «أسلحة الدمار الشامل»، فستدرك هذه الشعوب أيضا أن إجهاض حكوماته لممارسة الشعب الفلسطيني لخيار ديمقراطي سليم وبطريقة الغرب نفسه خيانة لكل القيم النبيلة التي سفكت من أجلها دماء كثيرة عبر قرون من الزمن.
فلسطين مقبلة على أزمة، قد يكون غياب رغيف الخبز أكثرها وضوحا وتأثيرا، ولكن آثارها لن تنحصر في فلسطين وإنما سيكتوي الجميع بنارها. الرهان على الموقف الأميركي والمشي حثيثاً في نفس الاتجاه لن يسفر عن إخماد النار المشتعلة تحت السطح.
فمثلما أخطأت أميركا عندما اتخذت قرار حربها على العراق، ووجد التابعون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه بعد أن أتضح لهم أن مشاركتهم للظالم ظلم، وأن قراءتهم للشعب العراقي، الذي كان من المفترض أن يستقبلهم بالورود، لم تكن موفقة؛ فليس من المستبعد أن يتكرر نفس السيناريو قريبا.
كاتب عُماني