إذا لم يكن من المتصور عودة جموع العلماء العرب في بلدان المهجر الغربية إلى الوطن في مدى منظور فهل من الممكن للوطن العربي الاستفادة من قدراتهم الفذة في مجال البحث العلمي واستثمارها لصالح الشعوب العربية رغم البعد الجغرافي؟

هذا هو التحدي الموضوع أمام المؤتمر التأسيسي للعلماء العرب المغتربين المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة بمبادرة من الشيخة موزة بنت ناصر المسند رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع.

رؤية المؤتمر هي بناء شراكة تؤمن مساهمة العلماء العرب في المهجر في دعم البحث العلمي في العالم العربي.إنها مبادرة لا نعرف لها سابقة سواء من حيث الفكرة أو حتى من ناحية الضخامة العددية للمشاركة، فعدد المشاركين في المؤتمر يقارب 140 عالماً.

لقد أصبحت هجرة العلماء العرب إلى الغرب ظاهرة لافتة تنامت خلال ربع القرن الأخير. ورغم أنها ظاهرة مؤسفة إلا أنها مسببة.فبالإضافة إلى من هاجروا ويهاجرون بدوافع الطموح الذاتي هناك أيضاً من قرروا الهجرة لأسباب تتعلق بالاضطهاد السياسي.

وهناك من هاجروا بحثاً عن بيئة علمية أو مهنية أفضل تطلعاً إلى المزيد من المعرفة واستثماراً مشروعاً لمواهبهم ومهاراتهم المتفوقة.

ولاشك أن المؤتمر سيتوصل إلى ابتداع آليات الشراكة وقنوات العمل المشترك.

لكن تبقى مشكلة تتمثل في كيفية إقناع حكومات العالم العربي بإعطاء البحث العلمي في مختلف المجالات أولوية قصوى مما يجعل مهمة العلماء المغتربين في المساهمة أسهل وأجدى.

إن البحث العلمي هو أساس النهضة. فمن المستحيل أن تحقق دولة عربية نهضة اقتصادية واجتماعية على طريق دولة الرفاهية دون آلية عليا للبحث العلمي في ميادين الصناعة والزراعة والخدمات، وفي هذا الصدد فإن على الحكومات العربية أن تستلهم تجربة «نمور آسيا» وخاصة ماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية.

فقد كان منطلق النهضة الاقتصادية في هذه البلدان خلق نخب من العلماء من ذوي التفوق عن طريق إحداث نقلات نوعية في برامج المدارس والمعاهد والجامعات. فالعلم يسبق التخطيط.

إن حال المؤسسات التعليمية في البلدان العربية لا يسر. فالمناهج التعليمية متخلفة.. وكذلك مستويات المعلمين والأساتذة. والجامعات تعتمد في تخريج الأجيال على الكم مع التضحية بالنوعية. هذا فيما يتعلق بالمؤسسات التعليمية الحكومية في بلدان العالم العربي.

أما مؤسسات القطاع الخاص فإنها تعتمد مبدأ خفض التكلفة، إلى الحد الأدنى مع تعظيم الربح إلى الحد الأقصى دون اكتراث لنوعية الخريج.

ولأن مؤتمر الدوحة للعلماء العرب المغتربين سابقة حميدة لا نظير لها في الوطن العربي فإننا نأمل أن تشكل آليات الشراكة وقنوات العمل المشترك التي تنبثق عنه بمثابة جسر معرفي بين العالم العربي ومؤسسات البحث العلمي في الغرب بما في ذلك الجامعات والمعاهد الرفيعة.

كما نأمل أن تمتد آليات الشراكة أيضاً إلى خلق علاقات عمل منتظمة مع الحكومات العربية.