.. وحيث إن الطبع من التطبع فقد أصبحت ترى الناس يتحركون وكأن أحداً قد «شحن» بطارياتهم «الليثيوم» وأطلقهم كما تطلق رسائل »اس. ام. اس» عبر الهواتف المتحركة، وقد ينتقلون حولك بطريقة لا تقارن سوى بمصائد «البلوتوث» حتى عيونهم لا أدري لماذا تومض بين الحين والآخر، فتخالها تعلن عن جاهزية صاحبها للاستقبال والإرسال.

إنها طباع تطبع بها جيل «الديجيتال» بعد أن أصبح حياتهم وشغلهم الشاغل، وإن صادف والتقيت واحداً منهم تعرفه جيداً ولكنك لم تره منذ أشهر لا تظن انك ستجد سيلاً من الأشواق عنده، فيكفيك «أهلا، كيف الحال، مشتاقين، زمان ما شفناك، سلم».

وانتهى المشهد الحميمي، واختفى الأخ وكأن أحدا قد «مسح» ذاكرته فورا، وأنت تنتظر ان ترد على سلاماته.وهناك مديرون «ديجيتال» وفي ظل «الموضة» التي تسود هذه الأيام ظهرت النتائج سريعة جدا، شباب تعلموا كل تقنيات الثورة الالفية، وصادف ان نالوا الاستحسان من أصحاب القرار، وتولوا المناصب.

وظنوا ان كل شيء يمكن ان يدار بضغطة إصبع على زر في جهاز الهاتف أو الكمبيوتر، هؤلاء استغلوا تلك الميزة واخضعوا نظام العمل لديهم إلى شيء مجرد من كل المفاهيم الإدارية، ولا ندري من ضحك عليهم، فهم لا يتواجدون في مكاتبهم.

ولا يمكن العثور عليهم عبر السكرتارية، ولا يردون على أحد سوى برسائل مختصرة، حتى وان كانوا هم بحاجة اليك، هواتفهم ترد «انا مشغول الآن» أو «انا في اجتماع»، «أكلمك لاحقا».

وبعضهم يرسل لك رسالة عبر الانترنت، تصوروا، ليقول لك وبكل أدب وقلة إدراك «سأجتمع معك السبت بعد المقبل في الواحدة ظهرا» وحتى لا تؤخذ عليهم مثل هذه التصرفات أطلقوا ما يسمى بالإدارة التكنولوجية، يعني إدارة الديجيتال.

ومنعوا الموظف من مخاطبة رئيسه، فأمامه خياران معروفان، هما «الايميل» أو الرسالة الهاتفية، والرئيس يرد متى ما سمح له وقته، وقد يكون وقت موضوع الرسالة قد مر، فهذا لا يهم، المهم ان يصل رد الرئيس الذي بلاشك خاطب المدير.

وان استغرق ذلك عدة أيام فليس هناك مانع «يا أخي ما فتحت الكمبيوتر لانه مصاب بفيروس» والسكرتيرة، تخيلوا ان بعضهم يتخاطب مع سكرتيرته بالطريقة نفسها، ولهذا عليها ان تسأل كل متصل من خارج مكان العمل ويطلب موعدا للقاء المدير، عن اسمه ووظيفته وعن الغرض من اللقاء ومدته.

ومن الممكن ان ترفض السكرتيرة إبلاغ المدير عن الاتصال، اذا لم تعرف الغرض، بل تقول بعضهن ذلك لأنها وببساطة قد تكون قادرة على تحويلك إلى القسم أو الشخص المعني، يعني ان المدير «مش فاضي لك» وسيخصم من راتبها اذا لم تخاطبه بكل التفاصيل.

قبل الديجيتال كانت «بدالات» الوزارات والهيئات ترد خلال ثوان معدودات، والآن تحتاج إلى خمس دقائق تستمع خلالها إلى موسيقى أو صوت أجش أو تعليمات مع تحويل على تحويل على تحويل حتى تمل وتهرب مما أجبرت عليه بفعل التطور.

myousef_1@yahoo.com